وبناء ( توعدون ) للمجهول يصحح أن يكون الفعل مضارع وعد يعد أو مضارع أوعد يوعد والمتبادر هو الأول . ومن بديع الفصاحة اختيار بنائه للمجهول ليصلح لفظه لحال المؤمنين والمشركين ولو بني للمعلوم لتعين فيه أحد الأمرين : بأن يقال : إن ما نعدكم أو إن ما نوعدكم وهذا من بديع التوجيه المقصود منه أن يأخذ منه كل فريق من السامعين ما يليق بحاله ومعلوم أن وعيد المشركين يستلزم وعدا للمؤمنين والمقصود الأهم هو وعيد المشركين فلذلك عقب الكلام بقوله : ( وما أنتم بمعجزين ) فذلك كالترشيح لأحد المحتملين من الكلام الموجه .
والإتيان مستعار للحصول تشبيها للشيء الموعود به المنتظر وقوعه بالشخص الغائب المنتظر إتيانه . كما تقدم في قوله تعالى : ( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة ) في هذه السورة .
وحقيقة المعجز هو الذي يجعل طالب شيء عاجزا عن نواله أي غير قادرين ويستعمل مجازا في معنى الإفلات من تناول طالبه كما قال إياس بن قبيصة الطائي : .
ألم تر أن الأرض رحب فسيحة ... فهل تعجزني بقعة من بقاعها أي فلا تفلت مني بقعة منها لا يطل إليها العدو الذي يطالبني .
فالمعنى : وما أنتم بمعجزي أي : بمفلتين من وعيدي أو بخارجين عن قدرتي وهو صالح للاحتمالين .
ومجيء الجملة اسمية في قوله : ( وما أنتم بمعجزين ) لإفادة الثبات والدوام في نسبة المسند للمسند إليه وهي نسبة نفيه عن المسند إليه لأن الخصوصيات التي تعتبر في حالة الإثبات تعتبر في حالة النفي إذ النفي إنما هو كيفية للنسبة . والخصوصيات مقتضيات أحوال التركيب وليس يختلف النفي عن الإثبات إلا في اعتبار القيود الزائدة على أصل التركيب فإن النفي يعتبر متوجها إليها خاصة وهي قيود مفاهيم المخالفة وإلا لبطلت خصوصيات كثيرة مفروضة مع الإثبات إذا صار الكلام المشتمل عليها منفيا مثل إفادة التجدد في لمسند الفعلي في قول جؤية بن النضر : .
لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطق إذ لا فرق في إفادة التجدد بين هذا المصراع وبين أن تقول : ألف الدرهم صرتنا . وكذلك قوله تعالى ( لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) فإن الأول يفيد أن نفي حلهن حكم متجدد لا ينسخ فهما اعتباران . وقد أشرت إلى بعض هذا عند تفسير قوله تعالى : ( والله لا يحب كل كفار أثيم ) في سورة البقرة .
( قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون [ 135 ] ) استئناف ابتدائي بعد قوله : ( إنما توعدون لآت ) فإن المقصود الأول منه هو وعيد المشركين كما مر فأعقبه بما تمحض لوعيدهم : وهو الأمر المستعمل في الإنذار والتهديد ليملي لهم في ضلالهم إملاء يشعر في متعارف التخاطب بأن المأمور به مما يزيد المأمور استحقاقا للعقوبة واقتربا منها . أمر الله رسوله A بأن ينادهم ويهددهم . وأمر أن يبتدئ خطابهم بالنداء للاهتمام بما سيقال لهم لأن النداء يسترعي إسماع المنادين وكان المنادي عنوان القوم لما يشعر به من أنه قد رق لحالهم حين توعدهم بقوله : ( إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ) لأن الشأن أنه يحب لقومه ما يحب لنفسه .
والنداء : للقوم المعاندين بقرينة المقام الدال على أن الأمر للتهديد وأن عملهم مخالف لعمله لقوله : ( اعملوا " مع قوله " إني عامل ) .
فالأمر في قوله : ( اعملوا ) للتسوية والتخلية لإظهار اليأس من امتثالهم للنصح بحيث يغير ناصحهم نصحهم إلى الإطلاق لهم فيما يحبون أن يفعلوا كقوله تعالى : ( اعملوا ما شئتم ) وهذا الاستعمال استعارة إذ يشبه المغضوب عليه المأيوس من ارعوائه بالمأمور بأن يفعل ما كان ينهي عنه فكأن ذلك المنهي صار واجبا وهذا تهكم .
والمكانة : المكان جاء على التأنيث مثل ما جاء المقامة للمقام والدارة اسما الدار والماءة للماء الذي ينزل حوله يقال : أهل الماء وأهل الماءة .
A E