عطف على الجملة : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) والتقدير : جعلوا وزين لهم شركاؤهم قتل أولادهم فقتلوا أولادهم فهذه حكاية نوع من أنواع تشريعاتهم الباطلة وهي راجعة إلى تصرفهم في ذرياتهم بعد أن ذكر تصرفاتهم في نتائج أموالهم . ولقد أعظم الله هذا التزيين العجيب في الفساد الذي حسن أقبح الأشياء وهو قتلهم أحب الناس إليهم وهم أبناؤهم فشبه بنفس التزيين للدلالة على أنه لو شاء أحد أن يمثله بشيء في الفظاعة والشناعة لم يسعه إلا أن يشبهه بنفسه لأنه لا يبلغ شيء مبلغ أن يكون أظهر منه في بابه فيلجأ إلى تشبيهه بنفسه على حد قولهم " والسفاهة كاسمها " . والتقدير : وزين شركاء المشركين لكثير فيهم تزيينا مثل ذلك التزيين الذي زينوه لهم وهو هو نفسه وقد تقدم تفصيل ذلك عند قوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) في سورة البقرة .
ومعنى التزيين التحسين وتقدم عند قوله تعالى : ( كذلك زينا لكل أمة عملهم ) في هذه السورة .
ومعنى تزيين ذلك هنا أنهم خيلوا لهم فوائد وقربا في هذا القتل بأن يلقوا إليهم مضرة الاستجداء والعار في النساء وأن النساء لا يرجى منهن نفع للقبيلة . وأنهن يجبن الآباء عند لقاء العدو ويؤثرن أزواجهن على آبائهن فيأتونهم من المعاني التي تروج عندهم فإن العرب كانوا مفرطين في الغيرة والجموح من الغلب والعار كما قال النابغة : .
حذارا على أن لا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا وإنما قال : ( لكثير من المشركين ) لأن قتل الأولاد لم يكن يأتيه جميع القبائل وكان في ربيعة ومضر وهما جمهرة العرب . وليس كل الآباء من هاتين القبيلتين يفعله .
وأسند التزيين إلى الشركاء : إما لإرادة الشياطين الشركاء فالتزيين تزيين الشياطين بالوسوسة فيكون الإسناد حقيقة عقلية وإما لأن التزيين نشأ لهم عن إشاعة كبرائهم فيهم أو بشرع وضعه لهم من وضع عبادة الأصنام وفرض لها حقوقا في أموالهم مثل عمرو بن لحي فيكون إسناد التزيين إلى الشركاء مجازا عقليا لأن الأصنام سبب ذلك بواسطة أو بواسطتين وهذا كقوله تعالى : ( فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادهم غير تتبيب ) .
والمعني بقتل الأولاد في هذه الآية ونحوها هو الوأد وهو دفن البنات الصغيرات أحياء فيمتن بغمة التراب كانوا يفعلون ذلك خشية الفقر كما قال تعالى : ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ) وخشية أن تفتضح الأنثى بالحاجة إذا هلك أبوها أو مخافة السباء . وذكر في الروض الأنف عن النقاش في تفسيره : أنهم كانوا يئدون من البنات من كانت زرقاء أو برشاء أو شيماء أو رسحاء تشاؤما بهن - وهذا من خور أوهامهم - وأن ذلك قوله تعالى : ( وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت ) . وقيل : كانوا يفعلون ذلك من شدة الغيرة خشية أن يأتين ما يتعير منه أهلهن . وقد ذكر المبرد في الكامل عن أبي عبيدة : أن تميما منعت النعمان بن المنذر الإتاوة فوجه إليهم أخاه الريان بن المنذر فاستاق النعم وسبى الذراري فوفدت إليه بنو تميم فأنابوا وسألوه النساء فقال النعمان : كل امرأة اختارت أباها ردت إليه وإن اختارت صاحبها " أي الذي صارت إليه بالسبي " تركت عليه فكلهن اختارت أباها إلا ابنة لقيس بن عاصم اختارت صاحبها عمرو بن المشمرج فنذر قيس أن لا تولد له ابنة إلا قتلها فهذا شيء يعتل به من وأدوا يقولون : فعلناه أنفة وقد أكذب الله ذلك في القرآن أي بقوله : ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها ) .
A E