وذكر البخاري أن أسماء بنت أبي بكر قالت : كان زيد بن عمرو بن نفيل يحيي الموءودة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته : لا تقتلها أنا أكفيك مؤونتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها : إن شئت دعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها . والمعروف أنهم كانوا يئدون البنت وقت ولادتها قبل أن تراها أمها قال تعالى : ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ) . وكان ضعضعة بن معاوية من مجاشع وهو جد الفرزدق يفدي الموءودة يفعل مثل فعل زيد بن عمرو بن نفيل . وقد افتخر الفرزدق بذلك في شعره في قوله : .
ومنا الذي منع الوائدات ... وأحياء الوئيد فلم توءد وقد أدرك جده الإسلام فاسلم . ولا يعرف في تاريخ العرب في الجاهلية قتل أولادهم غير هذا الوأد إلا ما ورد من نذر عبد المطلب الذي سنذكره ولا ندري هل كان مثل ذلك يقع في الجاهلية قبل عبد المطلب أو أنه هو الذي ابتكر ذلك ولم يتابع عليه . ولا شك أن الوأد طريقة سنها أئمة الشرك لقومهم إذ لم يكونوا يصدرون إلا عن رأيهم فهي ضلالة ابتدعوها لقومهم بعلة التخلص من عوائق غزوهم أعداءهم ومن معرة الفاقة والسباء وربما كان سدنة الأصنام يحرضونهم على إنجاز أمر الموءودة إذ رأوا من بعضهم تثاقلا كما أشار إليه الكشاف إذ قال : " والمعنى أن شركاءهم من الشياطين أو من سدنة الأصنام زينوا لهم قتل أولادهم بالوأد أو النحر " . وقال ابن عطية : والشركاء على هذه القراءة هم الذين يتناولون وأد بنات الغير فهم القاتلون .
وفي قصة عبد المطلب ما يشهد لذلك فإنه نذر إن رزقه الله عشرة أولاد ذكور ثم بلغوا معه أن تمنعوه من عدوه لينحرن أحدهم عند الكعبة فلما بلغ بنوه عشرة بهذا المبلغ دعاهم إلى الوفاء بنذره فأطاعوه واستقسم بالأزلام عند " هبل " الصنم وكان " هبل " في جوف الكعبة فخرج الزلم على ابنه عبد الله فأخذه ليذبحه بين " إساف " و " نائلة " فقالت له قريش : لا تذبحه حتى تعذر فيه فإن كان له فداء فديناه وأشاروا عليه باستفتاء عرافة بخبير فركبوا إليها فسألوها وقصوا عليها الخبر فقالت : قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم وكذلك فعلوا فخرج القدح علي عبد الله فلم يزل عبد المطلب يزيد عشرا من الإبل ويضرب عليها بالقداح ويخرج القدح علي عبد الله حتى بلغت الإبل مائة فضرب عليها فخرج القدح على الإبل فنحرها . ولعل سدنة الأصنام كانوا يخلطون أمر الموءودة بقصد التقرب إلى أصنام بعض القبائل كما كانت سنة موروثة في الكنعانيين من نبط الشام يقربون صبيانهم إلى الصنم ملوك فتكون إضافة القتل إلى الشركاء مستعملة في حقيقتها ومجازها .
وقرأ الجمهور : ( زين ) " بفتح الزاي " ونصب : ( قتل ) على المفعولية ل ( زين ) ورفع ( شركاؤهم ) على أنه فاعل : ( زين ) وجر ( أولادهم ) بإضافة قتل إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله