والأنفال جمع نفل " بالتحريك " والنفل مشتق من النافلة وهي الزيادة في العطاء وقد أطلق العرب في القديم الأنفال على الغنائم في الحرب كأنهم اعتبروها زيادة على المقصود من الحرب لان المقصود الأهم من الحرب هو إبادة الأعداء ولذلك ربما كان صناديدهم يأبون أخذ الغنائم كما قال عنترة . يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم وأقوالهم في هذا كثيرة فإطلاق الأنفال في كلامهم على الغنائم مشهور قال عنترة : .
إنا إذا احمرا الوغى نروي القنا ... ونعف عند مقاسم الأنفال وقد قال في القصيدة الأخرى " أعف عند المغنم " فعلمنا أنه يريد من الأنفال المغانم وقال أوس بن حجر الأسدي وهو جاهلي .
نكصتم على اعقابكم ثم جئتمو ... ترجون أنفال الخميس العرمرم ويقولون نفلني كذا يريدون أغنمني حتى صار النفل يطلق على ما يعطاه المقاتل من المغنم زيادة على قسطه من المغنم لمزية له في البلاء والغناء أو على ما يعثر عليه من غير قتيله وهذا صنف من المغانم .
A E فالمغانم إذن تنقسم إلى : ما قصد المقاتل أخذه من مال العدو مثل نعمهم ومثل ما على القتلى من لباس وسلاح بالنسبة إلى القاتل وفيما ما لم يقصده المقاتلون مما عثروا عليه مثل لباس قتيل لم يعرف قاتله . فاحتملت الأنفال في هذه الآية أن تكون بمعنى المغانم مطلقا وأن تكون بمعنى ما يزاد للمقاتل على حقه من المغنم فحديث سعد بن أبي وقاص كان سؤالا عن تنفيل بمعنى زيادة وحديث ابن عباس حكى وقوع اختلاف في قسمة المغنم بين من قاتل ومن لم يقاتل على أن طلب من لم يقاتلوا المشاركة في المغنم يرجع إلى طلب تنفيل فيبقى النفل في معنى الزيادة ولأجل التوسع في ألفاظ أموال الغنائم تردد السلف في المعني من الأنفال في هذه الآية وسئل ابن عباس عن الأنفال فلم يزد على أن قال " الفرس من النفل والدرع من النفل " كما في الموطأ وروي عنه أنه قال " والسلب من النفل " كما في كتاب أبي عبيد وغيره وقد أطلقوا النفل أيضا على ما صار في أيدي المسلمين من أموال المشركين بدون انتزاع ولا افتكاك كما يوجد الشيء لا يعرف من غنمه وكما يوجد القتيل عليه ثيابه لا يعرف قاتله فيدخل بهذا الإطلاق تحت جنس الفيء كما سماه الله تعالى في سورة الحشرية بقوله ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ) إلى قوله ( بين الأغنياء منكم ) وذلك مثل أموال بني النضير التي سلموها قبل القتال وفروا .
وبهذا تتحصل في أسماء الأموال المأخوذة من العدو في القتال ثلاثة أسماء : المغنم والفيء وهما نوعان والنفل وهو صورة من صور القسمة وكانت متداخلة فلما استقر أمر الغزو في المسلمين خص كل اسم بصنف خاص قال القرطبي في قوله تعالى ( واعلموا أنما غنمتم من شيء ) الآية ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص أي تخصيص اسم الغنيمة بمال الكفار إذا أخذه المسلمون على وجه الغلبة والقهر ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع فسمى الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين " أي لمعنيين مختلفين " غنيمة وفيئا يعني وأما النفل فهو اسم لنوع من مقسوم الغنيمة لا لنوع من المغنم .
والذي استقر عليه مذهب مالك أن النفل ما يعطيه الإمام من الخمس لمن يرى إعطاءه إياه ممن لم يغنم ذلك بقتال .
فالأنفال في هذه الآية قال الجمهور : المراد بها ما كان زائدا على المغنم فيكون النظر فيه لأمير الجيش يصرفه لمصلحة المسلمين أو يعطيه لبعض أهل الجيش لإظهار مزية البطل أو لخصلة عظيمة يأتي بها أو للتحريض على النكاية في العدو . فقد قال رسول الله A يوم حنين " من قتل قتيلا فله سلبه " وقد جعلها القرآن لله وللرسول أي لما يأمر به الله رسوله أو لما يراه الرسول A قال مالك في الموطأ " ولم يبلغنا أن رسول الله قال من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين ولا بلغنا عن الخلفاء من بعده " " يعني مع تكرر ما يقتضيه فأراد ذلك أن تلك قضية خاصة بيوم حنين " .
فالآية محكمة غير منسوخة بقوله ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ) فيكون لكل آية منهما حكمها إذ لا تداخل بينهما قال القرطبي وهو ما حكاه المازري عن كثير من أصحابنا