فالمعنى : أصلحوا بينكم ولذا فذات مفعول به على أن ( بين ) في الأصل ظرف فخرج عن الظرفية وجعل اسما متصرفا كما قرئ ( لقد تقطع بينكم ) برفع ( بينكم ) في قراءة جماعة . فأضيفت إليه ذات فصار المعنى : أصلحوا حقيقة بينكم أي اجعلوا الأمر الذي يجمعكم صالحا غير فاسد ويجوز مع هذا أن ينزل فعل ( أصلحوا ) منزلة الفعل اللازم فلا يقدر له مفعول قصدا للأمر بإيجاد الصلاح لا بإصلاح شيء فاسد وتنصب ذات على الظرفية لإضافتها إلى ظرف المكان والتقدير : وأوجدوا الصلاح بينكم كما قرأنا ( لقد تقطع بينكم ) بنصب بينكم أي لقد وقع التقطيع بينكم .
واعلم أني لم أقف على استعمال ( ذات بين ) في كلام العرب فأحسب أنها من مبتكرات القرآن .
وجواب شرط ( إن كنتم مؤمنين ) دلت عليه الجمل المتقدمة من قوله ( فاتقوا الله ) إلى أخرها لأن الشرط لما وقع عقب تلك الجمل كان راجعا إلى جميعها على ما هو المقرر في الاستعمال فمعنى الشرط بعد تلك الجمل الإنشائية : إنا أمرناكم بما ذكر إن كنتم مؤمنين لأنا لا نأمر بذلك غير المؤمنين وهذا إلهاب لنفوسهم على الامتثال لظهور أن ليس المراد : فإن لم تكونوا مؤمنين فلا تتقوا الله ورسوله ولا تصلحوا ذات بينكم ولا تطيعوا الله ورسوله فإن هذا معنى لا يخطر ببال أعل اللسان ولا يسمح بمثله الاستعمال .
وليس الإتيان في الشرط ( بأن ) تعريضا بضعف إيمانهم ولا بأنه مما يشك فيه من لا يعلم ما تخفي صدورهم بناء على أن شأن ( إن ) عدم الجرم بوقوع الشرط بخلاف " إذا " على ما تقرر في المعاني ولكن اجتلاب ( إن ) في هذا الشرط للتحريض على إظهار الخصال التي يتطلبها الإيمان وهي : التقوى الجامعة لخصال الدين وإصلاح ذات بينهم والرضى بما فعله الرسول فالمقصود التحريض على أن يكون إيمانهم في أحسن صوره ومظاهره ولذلك عقب هذا الشرط بجملة القصر في قوله ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) كما سيأتي .
( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) A E موقع هذه الجملة وما عطف عليها موقع التعليل لوجوب تقوى الله وإصلاح ذات بينهم وطاعتهم الله ورسوله لأن ما تضمنته هذه الجمل التي بعد ( إنما ) من شأنه أن يحمل المتصفين به على الامتثال لما تضمنته جمل الأمر الثلاث السابقة وقد اقتضى ظاهر القصر المستفاد من ( أنما ) أن من لم يجل قلبه إذا ذكر الله ولم تزده تلاوة آيات الله إيمانا مع إيمانه ولم يتوكل على الله ولم يقم الصلاة ولم ينفق لم يكن موصوفا بصفة الإيمان فهذا ظاهر مؤول بما دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب والسنة من أن الإيمان لا ينقضه إلا خلال ببعض الواجبات كما سيأتي عند قوله تعالى ( أولئك هو المؤمنون حقا ) فتعين أن القصر ادعاءي بتنزيل الإيمان الذي عدم الواجبات العظيمة منزلة العدم وهو قصر مجازي لابتنائه على التشبيه فهو استعارة مكنية : شبه الجانب المنفي في صيغة القصر بمن ليس بمؤمن وطوي ذكر المشبه به ورمز إليه بذكر لازمه وهو حصر الإيمان فيمن اتصف بالصفات التي لم يتصف بها المشبه به ويئول هذا إلى معنى : إنما المؤمنون الكاملون الإيمان فالتعريف في ( إنما المؤمنون ) تعريف الجنس المفيد قصرا ادعائيا على أصحاب هذه الصفات مبالغة وحرف " أل " فيه هو ما يسمى بالدالة على معنى الكمال .
وقد تكون جملة ( إنما المؤمنون ) مستأنفة استئنافا بيانيا لجواب سؤال سائل يثيره الشرط وجزاؤه المقدر في قوله ( إن كنتم مؤمنين ) بأن يتساءلوا عن هذا الاشتراط بعد ما تحقق أنهم مؤمنون من قبل وهل يمترى في أنهم مؤمنون فيجابوا بأن المؤمنين هم الذين صفتهم كيت وكيت فيعلموا أن الإيمان المجعول شرطا هو الإيمان الكامل فتنبعث نفوسهم إلى الاتسام به والتباعد عن موانع زيادته .
وإذ قد كان الاحتمالان غير متنافين صح تحميل الآية إياهما توفيرا لمعاني الكلام المعجز فإن علة الشيء مما يسال عنه وإن بيان العلة مما يصح كونه استئنافا بيانيا .
وعلى كلا الاحتمالين وقعت الجملة مفصولة عن التي قبلها لاستغنائها عن الربط وان اختلف موجب الاستغناء باختلاف الاحتمالين والاعتبارات البلاغية يصح تعدد أسبابها في الموقع الواحد لأنها اعتبارات معنوية وليست كيفيات لفظية فتحققه حق تحققه
