ومناسبة هذا الوصف للغرض : انهم أمروا بالتخلي عن الأنفال والرضى بقسمة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها فمن كان قد حرم من نفل قتيله يتوكل على الله في تعويضه بأحسن منه .
وتقديم المجرور في قوله ( وعلى ربهم يتوكلون ) إما للرعاية على الفاصلة فهو من مقتضيات الفصاحة مع ما فيه من الاهتمام باسم الله وإما للتعريض بالمشركين لأنهم يتوكلون على إعانة الأصنام قال تعالى ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ) فيكون الكلام مدحا للمؤمنين وتعريضا بذم المشركين ثم فيه تحذير من أن تبقى في نفوس المؤمنين آثار من التعلق بما نهوا عن التعلق به لتوهمهم أنهم إذا فوتوه فقد أضاعوا خيرا من الدنيا .
( الذين يقيمون الصلوة ومما رزقنهم ينفقون [ 3 ] ) وصفهم بأنهم الذين يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله جاء بإعادة الموصول كما أعيد في قوله ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك ) في سورة البقرة وذلك للدلالة على الانتقال في وصفهم إلى غرض آخر غير الغرض الذي اجتلب الموصول الأول لأجله وهو هنا غرض محافظتهم على ركني الإيمان : وهما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فلا علاقة للصلة المذكورة هنا بأحكام الأنفال والرضى بقسمها ولكنه مجرد المدح وعبر في جانب الصلاة بالإقامة للدلالة على المحافظة عليها وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى ( ويقيمون الصلاة ) في سورة البقرة . وجيء بالفعلين المضارعين في ( يقيمون ) و ( ينفقون ) للدلالة على تكرر ذلك وتجدده .
واعلم أن مقتضى الاستعمال في الخبر بالصلات المتعاطفة التي موصولها خبر عن مبتدأ أن تعتبر خبرا بعدة أشياء فهي بمنزلة أخبار متكررة ومقتضى الاستعمال في الأخبار المتعددة أن كل واحد منها يعتبر خبرا مستقلا عن المبتدأ فلذلك تكون كل صلة من هذه الصلات بمنزلة خبر عن المؤمنين وهي محصور فيها المؤمنون أي حالهم فيكون المعنى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إنما المؤمنون الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا . وهكذا فمتى اختلت صفة من هذه الصفات اختل وصف الإيمان عن صاحبها فلذلك تعين أن يكون المراد من القصر المبالغة الآيلة إلى معنى قصر الإيمان الكامل على صاحب كل صلة من هذه الصلات وعلى صاحب الخبرين لظهور أن أصل الإيمان لا يسلب من أحد ذكر الله عنده فلا يجل قلبه فإن أدلة قطعية من أصول الذين تنافي هذا الاحتمال فتعين تأويل ( المؤمنون ) على إرادة أصحاب الإيمان الكامل .
A E ( أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجت عند ربهم ومغفرة ورزق كريم [ 3 ] ) جملة مؤكدة لمضمون جملة ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ) إلى آخرها ولذلك فصلت .
وعرف المسند إليه بالإشارة لوقوعه عقب صفات لتدل الإشارة على أنهم أحرياء بالحكم المسند إلى اسم الإشارة من أجل تلك الصفات فكان المخبر عنهم قد تميزوا للسامع بتلك الصفات فصاروا بحيث يشار إليهم .
وفي هذه الجملة قصر آخر يشبه القصر الذي قوله ( إنما المؤمنون ) حيث قصر الإيمان مرة أخرى على أصحاب تلك الصفات ولكنه قرن هنا بما فيه بيان المقصور وهو أنهم المؤمنون الأحقاء بوصف الإيمان .
والحق أصله مصدر حق بمعنى ثبت واستعمل استعمال الأسماء للشيء الثابت الذي لا شك فيه قال تعالى ( وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا ) .
ويطلق كثيرا على الكامل في نوعه الذي لا سترة في تحقق ماهية نوعه فيه كما يقول أحد لابنه البار به : أنت ابني حقا وليس يريد أن غيره من أبنائه ليسوا لرشده ولكنه يريد أنت بنوتك واضحة وآثارها ويطلق الحق على الصواب والحكمة فاسم الحق يجمع معنى كمال النوع .
ولكل صيغة قصر : منطوق ومفهوم فمنطوقها هنا أن الذين جمعوا ما دلت عليه تلك الصلات هم مؤمنون حقا ومفهومها أن من انتفى عنه أحد مدلولات تلك الصلات لم يكن مؤمنا حقا أي لم يكن مؤمنا كاملا وليس المقصود أن من ثبتت له إحداها كان مؤمنا كاملا إذا لم يتصف ببقية خصال المؤمنين الكاملين فمعنى أولئك هم المؤمنون حقا : أن من كان على خلاف ذلك ليس بمؤمن حقا أي كاملا
