والمشاقة العداوة بعصيان وعناد مشتقة من الشق " بكسر الشين " وهو الجانب هو اسم بمعنى المشقوق أي المفرق ولما كان المخالف والمعادي يكون متباعدا عن عدوه فقد جعل كأنه في شق آخر أي ناحية أخرى والتصريح بسبب الانتقام تعريض للمؤمنين ليستزيدوا من طاعة الله ورسوله فإن المشيئة لما كانت سبب هذا العقاب العظيم فيوشك ما هو مخالفة للرسول بدون مشاقة أن يوقع في عذاب دون ذلك وخليق بان يكون ضدها وهو الطاعة موجبا للخير .
وجملة ( ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ) تذييل يعم كل من يشاقق الله ويعم أصناف العقائد .
والمراد من قوله ( فإن الله شديد العقاب ) الكناية عن عقاب المشاقين وبذلك يظهر الارتباط بين الجزاء وبين الشرط باعتبار لازم الخبر وهو الكناية عن تعلق مضمون ذلك الخبر بمن حصل منه مضمون الشرط كقول عنترة : .
إن تغد في دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم يريد فأني لا يخفى علي من يستر وجهه مني وأني أتوسمه وأعرفه .
( ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار [ 14 ] ) الخطاب في ( ذلكم فذوقوه ) للمشركين الذين قتلوا والذي قطعت بنانهم أي يقال لهم هذا الكلام حيث تضرب أعناقهم وبنانهم بأن يلقى في نفوسهم حينما يصابون إن أصابتهم كانت لمشاقتهم الله ورسوله فإنهم كانوا يسمعون توعد الله إياهم بالعذاب والبطش كقوله ( يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ) وقوله ( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام ) ونحو ذلك وكانوا لا يخلون من اختلاج الشك نفوسهم فإذا رأوا القتل الذي لم يألفوه ورأى الواحد منهم نفسه مضروبا بالسيف ضربا لا يستطيع له دفاعا علم أن وعيد الله تحقق فيه فجاش في نفسه أن ذلك لمشاقته الله ورسوله ولعلهم كانوا يرون إصابات تصيبهم من غير مرئي فجملة ( ذلكم فذوقوه ) مقول قول محذوف تقديره : قائلين هو حال من ضمير ( فاضربوا فوق الأعناق ) .
واسم الإشارة راجع إلى الضرب المأخوذ من قوله ( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) وهو مبتدأ وخبره محذوف فإما أن يقدر ذلك هو العقاب الموعود وإما أن يكون مما دل عليه قوله ( بأنهم شاقوا الله ورسوله ) فالتقدير ذلك بأنكم شاققتم الله ورسوله .
وتفريع ( فذوقوه ) على جملة ( ذلكم ) بما قدر فيها تفريع للشمالة على تحقيق الوعيد فصيغة الأمر مستعملة في الشماتة والإهانة . وموقعي ( فذوقوه ) اعتراض بين الجملة والمعطوف في قوله ( وأن للكافرين ) والاعتراض يكون بالفاء كما في قول النابغة : .
ضباب بني الطوالة فاعلميه ... ولا يغررك نأيي واغترابي قالوا وفي قوله ( وأن للكافرين عذاب النار ) للعطف على المعقول فهو من جملة القول والتعريف في ( الكافرين ) للاستغراق وهو تذييل .
والمعنى : ذلكم أي ضرب الاعتناق عقاب الدنيا وأن لكم عذاب النار في الآخرة مع جميع الكافرين والذوق مجاز في الإحساس والعلاقة الإطلاق .
وقوله ( وأن للكافرين عذاب النار ) عطف على الخبر المحذوف أي ذلكم العذاب وأن عذاب النار لجميع الكافرين .
( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار [ 15 ] ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير [ 16 ] ) لما ذكر الله المسلمين بما أيدهم يوم بدر بالملائكة والنصر من عنده وأكرمهم بأن نصرهم على المشركين الذين كانوا أشد منهم وأكثر عددا وعددا وأعقبه بأن أعلمهم أن ذلك شأنه مع الكافرين به اعترض في خلال ذلك بتحذيرهم من الوهن والقرار . فالجملة معترضة بين جملة ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ) وبين جملة ( فلم تقتلوهم ) الآية وفي هذا تدريب للمسلمين على الشجاعة والإقدام والثبات عند اللقاء وهي خطة محمودة عند العرب لم يزدها الإسلام إلا تقوية قال الحصين بن الحمام : .
تأخرت استبقي الحياة فلم أجد لنفسي ... حياة مثل أن أتقدما A E
