وقد قيل إن هذه الآية نزلت في قتال بدر ولعل مراد هذا القائل أن حكمها نزل يوم بدر ثم أثبتت في سورة الأنفال النازلة بعد الملحمة أو أراد أنها نزلت قبل الآيات التي صدرت بها سورة الأنفال ثم رتبت في التلاوة في مكانها هذا والصحيح أنها نزلت بعد وقعة بدر كما سيأتي .
واللقاء غلب استعماله في كلامهم على مناجزة العدو في الحرب .
فالجملة استئناف ابتدائي والمناسبة واضحة وسيأتي عند قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ) في هذه السورة وأصل اللقاء أنه الحضور لدى الغير .
والزحف أصله مصدر زحف من باب منع إذا انبعث من مكانه متنقلا على مقعدته يجرر جيله كما يزحف الصبي .
ثم أطلق على مشي المقاتل إلى عدوه في ساحة القتال زحف لأنه يدنو إلى العدو باحتراس وترصد فرصة فكأنه يزحف إليه .
ويطلق الزحف على الجيش الدهم أي الكثير عدد الرجال لأنه لكثرة الناس فيه يثقل تنقله فوصف بالمصدر ثم غلب إطلاقه حتى صار معنى من معاني الزحف ويجمع على زحوف .
وقد اختلفت طرق المفسرين في تفسير المراد من لفظ ( زحفا ) في هذه الآية فمنهم من فسره بالمعنى المصدري أي المشي في الحرب وجعله وصفا لتلاحم الجيشين عند القتال لأن المقاتلين يدبون إلى أقرانهم دبيبا ومنهم من فسره بمعنى الجيش الدهم الكثير العدد وجعله وصفا لذات الجيش .
وعلى كلا التقديرين فهو : إما حال من ضمير ( لقيتم ) وإما من ( الذين كفروا ) فعلى التفسير الأول هو نهي عن الانصراف من القتال فرارا إذا التحم الجيشان سواء جعلت زحفا حالا من ضمير ( لقيتم ) أو من ( الذين كفروا ) لأن مشي أحد الجيشين يستلزم مشي الآخر .
وعلى التفسير الثاني فإن جعل حالا من ضمير لقيتم كان نهيا عن الفرار إذا كان المسلمون جيشا كثيرا ومفهومه أنهم إذا كانوا قلة فلا نهي وهذا المفهوم مجمل يبينه قوله تعالى ( إن يكن منكم عشرون صابرون ) إلى مع الصابرين ) وإن جعل حالا من الذين كفروا كان المعنى إذا لقيتموهم وهم كثيرون فلا تفروا فيفيد النهي عن الفرار إذا كان الكفار قلة بفحوى الخطاب ويؤول إلى معنى لا تولوهم الأدبار في كل حال .
وهذه الآية عند جمهور أهل العلم نزلت بعد انقضاء وقعة بدر وهو القول الذي لا ينبغي التردد في صحته كما تقدم آنفا فإن هذه السورة نزلت بسبب الاختلاف في أنفال الجيش من أهل بدر عند قسمة مغانم بدر وما هذه الآية إلا جزء من هذه السورة فحكم هذه الآية شرع شرعه الله على المسلمين بسبب تلك الغزوة لتوقع حدوث غزوات يكون جيش المسلمين فيها قليلا كما كان يوم بدر فنهاهم الله عن التقهقر إذا لاقوا العدو .
فأما يوم بدر فلم يكن حكم مشروع في هذا الشأن فان المسلمين وقعوا في الحرب بغتة وتولى الله نصرهم .
وحكم هذه الآية باق غير منسوخ عند جمهور أهل العلم وروي هذا عن ابن عباس وبه قال ملك والشافعي وجمهور أهل العلم لكنهم جعلوا عموم هذه الآية مخصوصا بآية ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن تكن منكم مائة يغلبوا ألفا ) إلى قوله ( بإذن الله ) .
والوجه في الاستدلال أن هذه الآية اشتملت على صيغ عموم في قوله ( ومن يولهم يومئذ دبره ) إلى قوله ( فقد باء بغضب من الله ) وهي من جانب آخر مطلقة في حالة اللقاء من قوله ( إذا لقيتم الذين كفروا زحفا ) فتكون آيات ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) إلى قوله ( يغلبوا ألفين ) مخصصة لعموم هاته الآية بمقدار العدد ومقيدة لإطلاقها اللقاء بقيد حالة ذلك العدد وروي عن أبي سعيد الخدري وعطاء والحسن ونافع وقتادة والضحاك : أن هذه الآية نزلت قبل وقعة بدر . وقالوا إن حكمها نسخ بآية الضعفاي آية إن يكن منكم عشرون صابرون الآية وبهذا قال أبو حنيفة ومثال القولين واحد بالنسبة لما بعد يوم بدر ولذلك لم يختلفوا في فقه هذه الآية إلا ما روي عن عطاء كما سيأتي والصحيح هو الأول كما يقتضيه سياق انتظام آي السورة ولو صح قول أصحاب الرأي الثاني للزم أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل الشروع في القتال يوم بدر ثم نزلت سورة الأنفال فألحقت الآية بها وهذا ما لم يقله أحد من أصحاب الأثر .
A E