وذهب فريق ثالث إلى أن قوله تعالى ( فلا تولوهم الأدبار ) الآية محكم عام في الأزمان لا يخصص بيوم بدر ولا بغيره ولا يختص بعدد دون عدد . ونسب ابن الفرس عن النحاس إلى عطاء بن أبي رباح وقال ابن الفرس قال أبو بكر بن العربي هو الصحيح لأنه ظاهر القرآن والحديث ولم يذكر أين قال ابن العربي ذلك وأنا لم أقف عليه .
ولم يستقر من عمل جيوش المسلمين في غزواتهم مع رسول الله A ومع الأمراء الصالحين في زمن الخلفاء الراشدين ما ينضبط به مدى الإذن أو المنع من الفرار . وقد انكشف المسلمون يوم أحد فعنفهم الله تعالى بقوله ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ) وما عفا عنهم إلا بعد أن استحقوا الاثم ولما انكشفوا عند لقاء هوازن يوم حنين عنفهم الله بقوله ( ثم وليتم مدبرين ) إلى قوله ( ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ) في سورة براءة وذكر التوبة يقتضي سبق الإثم .
ومعنى ( فلا تولوهم الأدبار ) لا توجهوا إليهم أدباركم يقال ولى وجهه فلانا إذا أقبل عليه بوجهه ومنه قوله تعالى ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) فيعدى فعل ولى إلى مفعولين بسبب التضعيف ومجرده ( ولي ) إذا جعل شيئا واليا أي قريبا فيكون ولى المضاعف مثل قرب المضاعف فهذا نظم هذا التركيب .
والأدبار جمع دبر وهو ضد قبل الشيء وجهه وما يتوجه إليك منه عند إقباله على شيء وجعله أمامه ودبره ظهره وما تراه منه حين انصرافه وجعله إياك وراءه ومنه يقال استقبل واستدبر وأقبل وأدبر فمعنى توليتهم الأدبار صرف الأدبار إليهم أي الرجوع عن استقبالهم وتولية الأدبار كناية عن الفرار من العدو بقرينة ذكره في سياق لقاء العدو فهو مستعمل في لازم معناه مع بعض المعنى الأصلي وإلا فان صرف الظهر إلى العدو بعد النصر لا بد منه وهو الانصراف إلى المعسكر إذ لا يفهم أحد النهي عن إرادة الوجه عن العدو وإلا للزم أن يبقي الناس مستقبلين جيش عدوهم فلذلك تعين أن المفاد من قوله ( فلا تولوهم الأدبار ) النهي عن الفرار قبل النصر أو القتل .
وعبر عن حين الزحف بلفظ اليوم في قوله يومئذ أي يوم الزحف أي يولهم يوم الزحف دبره أي حين الزحف .
ومن ثم استثني منه حالة التحرف لأجل الحيلة الحربية والانحياز إلى فئة من الجيش للاستنجاد بها أو لإنجادها .
والمستثنى يجوز أن يكون ذاتا مستثنى من الموصول في قوله ( ومن يولهم ) والتقدير : إلا رجلا متحرفا لقتال فحذف الموصوف وبقيت الصفة ويجوز أن يكون المستثنى حالة من عموم الأحوال دل عليها الاستثناء أي إلا في حال تحرفه لقتال .
والتحرف الانصراف إلى الحرف وهو المكان البعيد عن وسطه فالتحرف مزايلة المكان المستقر فيه والعدول إلى أحد جوانبه وهو يستدعي تولية الظهر لذلك المكان بمعنى الفرار منه .
واللام للتعليل أي إلا في حال تحرف أي مجانبة لأجل القتال أي لأجل أعماله إن كان المراد بالقتال الاسم أو لأجل إعادة المقاتلة إن كان المراد بالقتال المصدر وتنكير قتال يرجح الوجه الثاني فالمراد بهذا التحرف ما يعبر عنه بالفر لأجل الكر فإن الحرب كر وفر وقال عمرو بن معد يكرب : .
ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور .
ولقد أعطفها كارهة ... حين للنفس من الموت هرير .
كل ما ذلك خلق ... وبكل أنا في الروع جدير والتحيز طلب الحيز فيعل من الحوز فأصل إحدى ياءيه الواو فلما اجتمعت الواو والياء وكانت السابقة ساكنة قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ثم اشتقوا منه تحيز فوزنه تفيعل وهو مختار صاحب الكشاف جريا على القياس بقدر الإمكان وجوز التفتازاني أن يكون وزنه تفعل بناء على اعتباره مشتقا من الكلمة الواقع فيها الإبدال والإدغام وهي الحيز ونظره بقولهم ( تدير ) بمعنى الإقامة في الدار فإن الدار مشتقة من الدوران ولذلك جمعت على دور إلا أنه لما كثر في جمعها ديار وديرة عوملت معاملة ما عينه ياء فقالوا من ذلك تدير بمعنى أقام في الدار وهو تفعل من الدار واحتج بكلام ابن جني والمرزوقي في شرح الحماسة يعني ما قال ابن جني في شرح الحماسة عند قول جابر بن حريش :
