وقوله تعالى ( والذين يرمون أزواجهم ) فيجوز أن يكون رميت الأول وقوله ( ولكن الله رمى ) مستعملين في معناهما المجازي أي وما أصبت أعينهم بالقذى ولكن الله أصابها به لأنها إصابة خارقة للعادة فهي معجزة للنبي A وكرامة لأهل بدر فنفيت عن الرمي المعتاد وأسندت إلى الله لأنها بتقدير خفي من الله ويكون قوله ( إذ رميت ) مستعملا في معناه الحقيقي وفي القرطبي عن ثعلب أن المعنى وما رميت الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء فانهزموا وفيه عن أبي عبيدة إن رميت الأول والثاني ورمى مستعملة في معانيها الحقيقية وهو ما درج عليه جمهور المفسرين وجعلوا المنفى هو الرمي الحقيقي والمثبت في قوله ( إذ رميت ) هو الرمي المجازي وجعله السكاكي من الحقيقة والمجاز العقليين فجعل ما رميت نفيا للرمي الحقيقي وجعل إذ رميت للرمي المجازي .
وقوله ( إذ رميت ) زيادة تقييد للرمي وأنه الرمي المعروف المشهور وإنما احتيج إليه في هذا الخبر ولم يؤت بمثله في قوله ( فلم تقتلوهم ) لأن القتل لما كانت له أسباب كثيرة كان اختصاص سيوف المسلمين بتأثيره غير مشاهد وكان من المعلوم أن الموت قد يحصل من غير فعل فاعل غير الله لم يكن نفي ذلك التأثير وإسناد حصوله إلى مجرد فعل الله محتاجا إلى التأكيد بخلاف كون رمي الحصى الحاصل بيد الرسول A حاصلا منه فان ذلك أمر مشاهد لا يقبل الاحتمال فاحتيج في نفيه إلى التأكيد إبطالا لاحتمال المجاز في النفي بان يحمل على نفي رمي كامل فان العرب قد ينفون الفعل ومرادهم نفي كماله حتى قد يجمعون بين الشيء وإثباته أو نفي ضده بهذا الاعتبار كقول عباس بن مرادس .
" فلم أعط شيئا ولم أمنع أي شيئا مجديا فدل قوله ( إذ رميت ) على أن المراد بالنفي في قوله ( وما رميت ) هو الرمي بمعنى أثره وحصول المقصود منه وليس المراد نفي وقوع الرمي مثل المراد في قوله فلم تقتلوهم لأن الرمي واقع من يد النبي A ولكن المراد نفي تأثيره فإن المقصود من ذلك الرمي إصابة عيون أهل جيش المشركين وما كان ذلك بالذي يحصل برمي اليد لأن اثر رمي البشر لا يبلغ أثره مبلغ تلك الرمية فلما ظهر من أثرها ما عم الجيش كلهم علم انتفاء أن تكون تلك الرمية مدفوعة بيد مخلوق ولكنها مدفوعة بقدرة الخالق الخارجة عن الحد المتعارف وأن المراد بإثبات الرمي في قوله ( ولكن الله رمى ) كالقول في ( ولكن الله قتلهم ) .
وقرأ نافع والجمهور ولكن بتشديد النون في الموضعين وقراه ابن عامر وحمزة والكسائي بسكون النون فيهما .
( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم [ 17 ] ) عطف على محذوف يؤذن به قوله ( فلم تقتلوهم الآية ) وقوله ( وما رميت ) الآية فإن قتلهم المشركين وإصابة أعينهم كانا الغرض هزم المشركين فهو العلة الأصلية وله علة أخرى وهي أن يبلي الله المؤمنين بلاء حسنا أي يعطيهم عطاء حسنا يشكرونه عليه فيظهر ما يدل عن قيامهم بشكره مما تختبر به طويتهم لمن لا يعرفها وهذا العطاء هو النصر والغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة .
A E واعلم أن أصل مادة هذا الفعل هي البلاء وجاء منه الإبلاء بالهمز وتصريف هذا الفعل أغفله الراغب في المفردات ومن رأيت من المفسرين وهو مضارع أبلاه إذا أحسن إليه مشتق من البلاء والبلوى الذي أصله الاختبار ثم أطلق على إصابة أحد أحدا بشيء يظهر به مقدار تاثره والغالب أن الإصابة بشر ثم توسع فيه فأطلق على ما يشمل الإصابة بخير قال تعالى ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) وهو إطلاق كنائي وشاع ذلك الإطلاق الكنائي حتى صار بمنزلة المعنى الصريح وبقي الفعل المجرد صالحا للإصابة بالشر والخير واستعملوا أبلاه مهموز أي أصابه بخير قال ابن قتيبة " يقال من الخير أبليته إبلاء ومن الشر بلوته أبلوه بلاء " قلت جعلوا الهمزة فيه دالة على الإزالة أي إزالة البلاء الذي غلب في إصابة الشر ولهذا قال تعالى ( بلاء حسنا ) وهو مفعول مطلق لفعل يبلي موكد له لأن فعل يبلى دال على بلاء حسن وضمير ( منه ) عائد إلى اسم الجلالة و ( من ) الابتداء المجازي لتشريف ذلك الإبلاء ويجوز عود الضمير إلى المذكور من القتل والرمي ويكون ( من ) للتعليل والسببية