وقوله ( إن الله سميع عليم ) تدبيل للكلام و ( إن ) هذا مقيدة للتعليل والربط أي فعل ذلك لأنه سميع عليم فقد سمع دعاء المؤمنين واستغاثتهم وعلم أنهم لعنايته ونصره فقبل دعاءهم ونصرهم .
( ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين [ 18 ] ) الإشارة ب ( ذلكم ) إلى البلاء الحسن وهذه الإشارة لمجرد تأكيد المقصود من البلاء الحسن وأن ذلك البلاء علة للتوهين .
واسم الإشارة يفتتح به الكلام لمقاصد يجمعها التنبيه على أهمية ما يرد بعده كقوله تعالى ( هذا وإن للطاغين لشر مئاب ) ويجيء في الكلام الوارد تعليلا كقوله تعالى ( ذلك بما قدمت أيديكم ) .
وعليه فاسم الإشارة هنا مبتدأ حذف خبره وعطف عليه جملة ( وأن الله موهن كيد الكافرين ) .
وقوله ( وأن الله ) بفتح همزة أن فما بعدها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل محذوفة والتقدير ولتوهين كيد الكافرين ويجوز أن تكون الإشارة بذلكم إلى الامرين وهو ما اقتضاه قوله ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) من تعليل الرمي بخذل المشركين وهزمهم وإبلاء المؤمنين البلاء الحسن .
وإفراد اسم الإشارة مع كون المشار إليه اثنين على تأويل المشار إليه بالمذكور كما تقدم في نظيره في سورة البقرة .
و ( كيد الكافرين ) هو قصدهم الإضرار بالمسلمين في صورة ليست ظاهرها بمضرة وذلك أن جيش المشركين الذين جاءوا لإنقاذ العير لما علموا بنجاة غيرهم وظنوا خيبة المسلمين الذين خرجوا في طلبها أبوا أن يرجعوا إلى مكة وأقاموا على بدر لينحروا ويشربوا الخمر ويضربوا الدفوف فرحا وافتخارا بنجاة عيرهم وليس ذلك لمجرد اللهو ولكن ليتسامع العرب فيتساءلوا عن سبب ذلك فيخبروا بأنهم غلبوا المسلمين فيصرفهم ذلك عن اتباع الإسلام فأراد الله توهينهم بهزمهم تلك الهزيمة الشنعاء فهو موهن كيدهم في الحال وتقدم تفسير . الكيد عند قوله تعالى ( وأملي لهم إن كيدي متين ) في سورة الأعراف .
وقرأ نافع كثير وأبو عمرو وأبو جعفر موهن بفتح الواو وبتشديد الهاء وبالتنوين ونصب كيد وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف ويعقوب موهن بتسكين الواو وتخفيف الهاء ونصب كيد - والمعنى على القراءتين سواء وقرأ حفص عن عاصم بإضافة ( موهن ) إلى ( كيد ) والمعنى وهي إضافة لفظية مساوية للتنكير .
( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين [ 19 ] ) جمهور المفسرين جعلوا الخطاب موجها إلى المشركين فيكون الكلام اعتراضا خوطب به المشركون في خلال خطبات المسلمين بمناسبة قوله ( ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين ) والخطاب التفات من طريق الغيبة الذي اقتضاه قوله ( وأن الله موهن كيد الكافرين ) وذكر المفسرون في سبب نزولها أن أبا جهل وأصحابه لما أزمعوا الخروج إلى بدر استنصروا الله تجاه الكعبة وأنهم قبل أن يشرعوا في القتال يوم بدر استنصروا الله أيضا وقالوا ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه فخوطبوا بأن قد جاءهم الفتح على سبيل التهكم أي الفتح الذي هو نصر المسلمين عليهم .
A E وإنما كان تهكما لأن في معنى جاءكم الفتح استعارة المجيء للحصول عندهم تشبيها بمجيء المنجد لأن جعل الفتح جاءيا إياهم .
يقتضي أن النصر كان في جانبهم ولمنفعتهم والواقع يخالف ذلك فعلم أن الخبر مستعمل في التهكم بقرينة مخالفته الواقع بمسمع المخاطبين ومرآهم .
وحمل ابن عطية فعل جاءكم على معنى : فقد تبين لكم النصر ورأيتموه أنه عليكم لا لكم وعلى هذا يكون المجيء بمعنى الظهور : مثل ( وجاء ربك ) ومثل ( وجاء الحق وزهق الباطل ) ولا يكون في الكلام تهكم .
وصيغ ( تستفتحوا ) بصيغة المضارع مع أن الفعل مضى لقصد استحضار الحالة من تكريرهم الدعاء بالنصر على المسلمين وبذلك تظهر مناسبة عطف ( وإن تنتهوا فهو خير لكم ) إلى قوله ( وأن الله مع المؤمنين ) أي تنتهوا عن كفركم بعد ظهور الحق في جانب المسلمين .
وعطف الوعيد على ذلك بقوله ( وإن تعودوا نعد ) أي : إن تعودوا إلى العناد والقتال نعد أي نعد إلى هزمكم كما فعلنا بكم يوم بدر