ثم أيأسهم من الانتصار في المستقبل كله بقوله ( ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت ) أي لا تنفعكم جماعتكم على كثرتها كما لم تغن عنكم يوم بدر فان المشركين كانوا يومئذ واثقين بالنصر على المسلمين لكثرة عددهم وعددهم . والظاهر أن جملة إن ( وإن تعودوا ) معطوفة على جملة الجزاء وهي ( فقد جاءكم الفتح ) .
و ( لو ) اتصالية أي لن تغني عنكم في حال من الأحوال ولو كانت في حال كثرة على فئة أعدائكم وصاحب الحال المقترنة بلوا الاتصالية قد يكون متصفا بمضمونها وقد يكون متصفا بنقيضه فإن كان المراد من العود في قوله ( وإن تعودوا ) العود إلى طلب النصر للمحق فالمعنى واضح وإن كان المراد منه العود إلى محاربة المسلمين فقد يشكل بأن المشركين انتصروا على المسلمين يوم أحد فلم يتحقق معنى نعد ولا موقع لجملة ( ولن تغني عنكم فئتكم ) فإن فئتهم أغنت عنهم يوم أحد .
والجواب عن هذا أشكال إن الشرط لم يكن بأداة شرط مما يفيد العموم مثل ( مهما ) فلا يبطله تخلف حصول مضمون الجزاء عن حصول الشرط في مرة أو نقول إن الله قضى للمسلمين بالنصر يوم أحد ونصرهم وعلم المشركون أنهم قد غلبوا ثم دارت الهزيمة على المسلمين لأنهم لم يمتثلوا لأمر رسول الله A فبرحوا عن الموضع الذي أمرهم أن لا يبرحوا عنه طلبا للغنيمة فعوقبوا بالهزيمة كما قال ( وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ) وقال ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ) . وقد مضى ذلك في سورة آل عمران وبعد ففي هذا الوعيد بشارة بأن النصر الحاسم سيكون للمسلمين وهو نصر يوم فتح مكة .
وجملة ( وأن الله مع المؤمنين ) على هذا التفسير زيادة في تأييس المشركين من النصر وتنويه بفضل المؤمنين بأن النصر الذي انتصروه هو من الله لا بأسبابهم فإنهم دون المشركين عددا وعدة .
ومن المفسرين من جعل الخطاب بهذه الآية للمسلمين ونسب إلى أبي بن كعب وعطاء لكون خطاب المشركين بعد الهجرة قد صار نادرا لأنهم أصبحوا بعداء عن سماع القرآن فتكون الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا فإنهم لما ذكروا باستجابة دعائهم بقوله ( إذ تستغيثون ربكم ) الآيات وأمروا بالثبات للمشركين وذكروا بنصر الله تعالى إياهم يوم بدر بقوله ( فلم تقتلوهم ) إلى قولهم ( وهن كيد الكافرين ) كان ذلك كله يثير سؤالا يختلج في نفوسهم أن يقولوا أيكون كذلك شأننا كلما جاهدنا أم هذه مزية لوقعة بدر فكانت هذه الآية مفيدة جواب هذا التساؤل .
فالمعنى : إن تستنصروا في المستقبل قوله فقد جاءكم الفتح والتعبير بالفعل الماضي في جواب الشرط للتنبيه على تحقيق وقوعه ويكون قوله ( فقد جاءكم الفتح ) دليلا على كلام محذوف والتقدير : إن تستنصروا في المستقبل ننصركم فقد نصرناكم يوم بدر .
والاستفتاح على هذا التفسير كناية عن الخروج للجهاد لأن ذلك يستلزم طلب النصر ومعنى ( وإن تنتهوا فهو خير لكم ) أي إن تمسكوا عن الجهاد حيث لا يتعين فهو أي الامساك خير لكم لتستجموا قوتكم وأعدادكم فأنتم في حال الجهاد منتصرون وفي حال السلم قائمون بأمر الدين وتدبير شؤونكم الصالحة فيكون كقول النبي A لا تمنوا لقاء العدو . وقيل المراد وإن تنتهوا عن التشاجر في أمر الغنيمة أو عن التفاخر بانتصاركم يوم بدر فهو خير لكم من وقوعه .
A E وأما قوله ( وإن تعودوا نعد ) على هذا التفسير فهو إن تعودوا إلى طلب النصر نعد فننصركم أي لا ينقص ذلك من عطائنا كما قال زهير : .
سألنا فأعطيتكم وعدنا فعدتم ... ومن أكثر التسآل يوما سيحرم يعلمهم الله صدق التوجه إليه ويكون موقع ( ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ) زيادة تقرير لمضمون ( إن تستفحوا فقد جاءكم الفتح ) وقوله ( وإن تعودوا نعد ) أي لا تعتمدوا إلا على نصر الله