فأما المثل الذي هو قول شبه مضربه بموروده وهو الذي وعدت بذكره آنفا فمعنى تشبيه مضربه بمورده أن تحصل حالة لها شبه بالحالة التي صدر فيها ذلك القول فيستحضر المتكلم تلك الحالة التي صدر فيها القول ويشبه بها الحالة التي عرضت وينطق بالقول الذي كان صدر في أثناء الحالة المشبه بها ليذكر السامع بتلك الحالة وبأن حالة اليوم شبيهة بها ويجعل علامة ذكر ذلك القول الذي قيل في تلك الحالة . وإذا حققت التأمل وجدت هذا العمل من قبيل الاستعارة التمثيلية المكنية لأجل كون تلك الألفاظ المسماة بالأمثال قد سارت ونقلت بين البلغاء في تلك الحوادث فكانت من لوازم الحالات المشبه بها لا محالة لمقارنتها لها في أذهان الناس فهي لوازم عرفية لها بين أهل الأدب فصارت من روادف أحوالها وكان ذكر تلك الأمثال رمزا إلى اعتبار الحالات التي قيلت فيها ومن أجل ذلك امتنع تغييرها عن ألفاظها الواردة بها لأنها إذا غيرت لم تبق على ألفاظها المحفوظة المعهودة فيزول اقترانها في الأذهان بصور الحوادث التي قيلت فيها فلم يعد ذكرها رمزا للحال المشبه به التي هي من روادفها لا محالة وفي هذا ما يغني عن تطلب الوجه في احتراس العرب من تغيير الأمثال حتى تسلموا من الحيرة في الحكم بين صاحب الكشاف وصاحب المفتاح إذ جعل صاحب الكشاف سبب منع الأمثال من التغيير ما فيها من الغرابة فقال : ولم يضربوا مثلا ولا رأوه أهلا للتسيير ولا جديرا بالتداول إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه ومن ثم حوفظ عليه وحمى من التغيير " فتردد شراحه في مراده من الغرابة وقال الطيبي الغرابة غموض الكلام وندرته وذلك إما أن يكون بحسب المعنى وإما أن يكون بحسب اللفظ أما الأول فكأن يرى عليه أثر التناقض وما هو بتناقض نحو قول الحكم بن عبد يغوث : رب رمية من غير رام . أي رب رمية مصيبة من غير رام أي عارف وقوله تعالى ( ولكم في القصاص حياة ) إذ جعل القتل حياة . وأما الثاني بأن يكون فيه ألفاظ غريبة لا تستعملها العامة نحو قول الحباب بن المنذر " أنا جذيانها المحكك وعذيقها المرجب " أو فيه حذف وإضمار نحو رمية من غير رام . أو فيه مشاكلة نحو : كما تدين تدان . أراد كما تفعل تجازى . وفسر بعضهم الغرابة بالبلاغة والفصاحة حتى صارت عجيبة وعندي أنه ما أراد بالغرابة إلا أن يكون قولا بديعا خاصيا إذ الغريب مقابل المألوف والغرابة عدم الإلف يريد عدم الإلف به في رفعة الشأن . وأما صاحب المفتاح فجعل منعها من التغيير لورودها على سبيل الاستعارة فقال : ثم إن التشبيه التمثيلي متى شاع واشتهر استعماله على سبيل الاستعارة صار يطلق عليه المثل لا غير اه . وإلى طريقته مال التفتزاني والسيد . وقد علمت سرها وشرحها فيما بيناه . ولورود الأمثال على سبيل الاستعارة لا تغير عن لفظها الذي ورد في الأصل تذكيرا وتأنيثا وغيرهما . فمعنى قولهم في تعريف المثل بهذا الإطلاق " قول شبه مضربه بمورده " أن مضربه هو الحالة المشبهة سميت مضربا لأنها بمنزلة مكان ضرب ذلك القول أي وضعه أي النطق به يقال ضرب المثل أي شبه ومثل قال تعالى ( أن يضرب مثلا ما ) وأما مورده فهو الحالة المشبه بها وهي التي ورد ذلك القول أي صدر عند حدوثها سميت موردا لأنها بمنزلة مكان الماء الذي يرده المستقون ويقال الأمثال السائرة أي الفاشية التي يتناقلها الناس ويتداولونها في مختلف القبائل والبلدان فكأنها تسير من بلد إلى بلد . و ( الذي استوقد نارا ) مفردا مراد به مشبه واحد لأن مستوقد النار واحد ولا معنى لاجتماع جماعة على استيقاد نار ولا يريبك كون الحالة المشبه حالة جماعة المنافقين كأن تشبيه الهيئة بالهيئة إنما يتعلق بتصوير الهيئة المشبهة بها لا بكونها على وزن الهيئة المشبهة فإن المراد تشبيه حال المنافقين في ظهور أثر الإيمان ونوره مع تعقبه بالضلالة ودوامه بحال من استوقد نارا . واستوقد بمعنى أوقد فالسين والتاء فيه للتأكيد كما هما في قوله تعالى ( فاستجاب لهم ربهم ) وقولهم استبان الأمر وهذا كقول بعض بني بولان من طي في الحماسة .
نستوقد النبل بالحضيض ونص ... طاد نفوسا بنت على الكرم أراد وقودا يقع عند الرمي بشدة . وكذلك في الآية لإيراد تمثيل حال المنافقين في إظهار الإيمان بحال طالب الوقود بل هو حال الموقد .
وقوله :