( فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ) A E مفرع على استوقد . ولما حرف يدل على وقوع شيء عند وقوع غيره فوقوع جوابها مقارن لوقوع شرطها وذلك معنى قولهم حرف وجود لوجود أي حرف يدل على وجود الجواب لوجود شرطها أي أن يكون جوابها كالمعلول لوجود شرطها سواء كان من ترتب المعلول على العلة أو كان ترتب المسبب العرفي على السبب أم كان ترتب المقارن على مقارنة المهيأ والمقارن الحاصل على سبيل المصادفة وكلها استعمالات واردة في كلام العرب وفي القرآن . مثال ترتب المعلول على العلة لما تعفنت أخلاطه حم والمسبب على السبب ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقول عمرو بن معد يكرب : .
لما رأيت نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدا .
نازلت كبشهم ولم ... أر من نزال الكبش بدا ومثال المقارن المهيأ قول امرئ القيس : .
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل .
هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل ومثال المقارن الحاصل اتفاقا لما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما وقوله ( فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ) . فمن ظن أن لما تؤذن بالسببية اغترارا بقولهم وجود لوجود حملا للام في عبارتهم على التعليل فقد ارتكب شططا ولم يجد من كلام الأئمة فرطا .
وأضاء يجيء متعديا وهو الأصل لأن مجرده ضاء فتكون حينئذ همزته للتعدية كقول أبي الطمحان القيني .
أضاءت لهم أحسابهم ووجوهم ... دجى الليل حتى ثقب الجزع ثاقبه ويجيء قاصرا بمعنى ضاء فهمزته للصيرورة أي صار ذا ضوء فيساوي ضاء كقول امرئ القيس يصف البرق : .
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أمال السليط بالذبال المفتل والآية تحتملهما أي فلما أضاءت النار الجهات التي حوله وهو معنى ارتفاع شعاعها وسطوع لهبها فيكون ما حوله موصولا مفعولا لأضاءت وهو المتبادر . وتحتمل أن تكون من أضاء القاصر أي أضاءت النار أي اشتعلت وكثر ضوءها في نفسها ويكون ما حوله على هذا ظرفا للنار أي حصل ضوء النار حولها غير بعيد عنها . وحوله ظرف للمكان القريب ولا يلزم أن يراد به الإحاطة فحوله هنا بمعنى لديه ومن توهم أن ( ما حوله ) يقتضي ذلك وقع في مشكلات لم يجد منها مخلصا إلا بعناء .
وجمع الضمير في قوله ( بنورهم ) مع كونه بلصق الضمير المفرد في قوله ( ما حوله ) مراعاة للحال المشبهة وهي حال المنافقين لا للحال المشبه بها ؛ وهي حال المستوقد الواحد على وجه بديع في الرجوع إلى الغرض الأصلي وهو انطماس نور الإيمان منهم فهو عائد إلى المنافقين لا إلى الذي قريبا من رد العجز على الصدر فأشبه تجريد الاستعارة المفردة وهو من التفنين كقول طرفة : .
وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن ... مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد وهذا رجوع بديع وقريب منه الرجوع الواقع بطريق الاعتراض في قوله الآتي ( والله محيط بالكافرين ) . وحسنه أن التمثيل جمع بين ذكر المشبه وذكر المشبه به فالمتكلم بالخيار في مراعاة كليهما لأن الوصف لهما فيكون ذلك البعض نوعا واحدا في المشبه والمشبه به فما ثبت للمشبه به يلاحظ كالثابت للمشبه . وهذا يقتضي أن تكون جملة ذهب الله بنورهم جواب ( لما ) فيكون جمع ضمائر ( بنورهم وتركهم ) إخراجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر إذ مقتضى الظاهر أن يقول ذهب الله بنوره وتركه ولذلك اختير هنا لفظ النور عوضا عن النار المبتدأ به للتنبيه على الانتقال من التمثيل إلى الحقيقة ليدل على أن الله أذهب نور الإيمان من قلوب المنافقين فهذا إيجاز بديع كأنه قيل فلما أضاءت ذهب الله بناره فكذلك ذهب الله بنورهم وهو أسلوب لا عهد للعرب بمثله فهو من أساليب الإعجاز . وقريب منه قوله تعالى ( بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون . وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون . قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ) فقوله ( أرسلتم ) حكاية لخطاب أقوام الرسل في جواب سؤال محمد A قومه بقوله ( أولو جئتكم ) .
A E
