وبهذا يكون ما في هذه الآية موافقا لما في الآية بعدها من قوله تعالى ( يجعلون أصابعهم في آذانهم ) إذ يتعين رجوعه لبعض المشبه به دون المشبه . وجوز صاحب الكشاف أن يكون قوله ( ذهب الله بنورهم ) استئنافا ويكون التمثيل قد انتهى عند قوله تعالى ( فلما أضاءت ما حوله ) ويكون جواب لما محذوفا دلت عليه الجملة المستأنفة وهو قريب مما ذكرته إلا أن الاعتبار مختلف .
ومعنى ذهب الله بنورهم : أطفأ نارهم فعبر بالنور لأنه المقصود من الاستيقاد وأسند إذهابه إلى الله تعالى لأنه حصل بلا سبب من ريح أو مطر أو إطفاء مطفيء والعرب والناس يسندون الأمر الذي لم يتضح سببه لاسم الله تعالى كما تقدم عند قوله ( ويمدهم في طغيانهم ) وذهب المعدى بالباء أبلغ من أذهب المعدى بالهمزة وهاته المبالغة في التعدية بالباء نشأت من أصل الوضع لأن أصل ذهب به أن يدل على أنهما ذهبا متلازمين فهو أشد في تحقيق ذهاب المصاحب كقوله ( فلما ذهبوا به ) وأذهبه جعله ذاهبا بأمره أو إرساله فلما كان الذي يريد إذهاب شخص إذهابا لا شك فيه يتولى حراسة ذلك بنفسه حتى يوقن بحصول امتثال أمره صار ذهب به مفيدا معنى أذهبه ثم تنوسي ذلك بكثرة الاستعمال فقالوا ذهب به ونحوه ولو لم يصاحبه في ذهابه كقوله ( يأتي بالشمس من المشرق ) وقوله ( وجاء بكم من البدو ) ثم جعلت الهمزة لمجرد التعدية في الاستعمال فيقولون : ذهب القمار بمال فلان ولا يريدون أنه ذهب معه . ولكنهم تحفظوا ألا يستعملوا ذلك إلا في مقام تأكيد الإذهاب فبقيت المبالغة فيه . وضمير المفرد في قوله ( وما حوله ) مراعاة للحال المشبهة .
واختيار لفظ النور في قوله ( ذهب الله بنورهم ) دون الضوء ودون النار لأن لفظ النور أنسب ؛ لأن الذي يشبه النار من الحالة المشبهة هو مظاهر الإسلام التي يظهرونها وقد شاع التعبير عن الإسلام بالنور في القرآن فصار اختيار لفظ النور هنا بمنزلة تجريد الاستعارة لأنه أنسب بالحال المشبهة وعبر عما يقابله في الحال المشبه بها بلفظ يصلح لهما أو هو بالمشبه أنسب في اصطلاح المتكلم كما قدمنا الإشارة إليه في وجه جمع الضمير في قوله ( بنورهم ) .
( وتركهم في ظلمت لا يبصرون [ 17 ] ) هذه الجملة تتضمن تقريرا لمضمون ذهب الله بنورهم لأن من ذهب نوره بقى في ظلمة لا يبصر والقصد منه زيادة إيضاح الحالة التي صاروا إليها فإن للدلالة الصريحة من الارتسام في ذهن السامع ما ليس للدلالة الضمنية فإن قوله ( ذهب الله بنورهم ) يفيد أنهم لما استوقدوا نارا فانطفأت انعدمت الفائدة وخابت المساعي ولكن قد يذهل السامع عما صاروا إليه عند هاته الحالة فيكون قوله بعد ذلك ( وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) تذكيرا بذلك وتنبيها إليه . فإنهم لا يقصدون من البيان إلا شدة تصوير المعاني ولذلك يطنبون ويشبهون ويمثلون ويصفون المعرفة ويأتون بالحال ويعددون الأخبار والصفات فهذا إطناب بديع كما في قول طرفة : .
نداماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح إلينا بين برد ومجسد فإن قوله تروح إلينا الخ لا يفيد أكثر من تصوير حالة القينة وتحسين منادمتها . وتفيد هذه الجملة أيضا أنهم لم يعودوا إلى الاستنارة من بعد على ما في قوله ( وتركهم ) من إفادة تحقيرهم وما في جمع ظلمات من إفادة شدة الظلمة وهي فائدة زائدة على ما استفيد ضمنا من جملة ذهب الله بنورهم وما يقتضيه جمع ظلمات من تقدير تشبيهات ثلاثة لضلالات ثلاث من ضلالاتهم كما سيأتي . وبهذا الاعتبار الزائد على تقرير مضمون الجملة قبلها عطفت على الجملة ولم تفصل .
وحقيقة الترك مفارقة أحد شيئا كان مقارنا له في موضع وإبقاءه في ذلك الوضع . وكثيرا ما يذكرون الحال التي ترك الفاعل المفعول عليها وفي هذا الاستعمال يكثر أن يكون مجازا عن معنى صير أو جعل . قال النابغة : .
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب أي لا تصيرني بهذه المشابهة وقول عنترة : .
جادت عليه كل عين ثرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم يريد صيرن والأكثر أن يكنى به في هذا الاستعمال عن الزهادة في مفعوله كما في بيت النابغة أو عن تحقيره كما في هذه الآية .
A E