وكثر أن يكون العطف في نحوه بأو دون الواو وأو موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء فيتولد منها معنى التسوية وربما سلكوا في إعادة التشبيه مسلك الاستفهام بالهمزة أي لتختار التشبيه بهذا أم بذلك وذلك كقول لبيد عقب البيتين السابق ذكرهما : .
أفتلك أم وحشية مسبوعة ... خذلت وهادية الصوار قوامها وقال ذو الرمة في تشبيه سير ناقته الحثيث : A E .
وثب المسحج من عانات معلقة ... كأنه مستبان الشك أو جنب ثم قال : .
أذاك أم نمش بالوشي أكرعه ... مسفع الخد غاد ناشع شبب ثم قال : .
أذاك أم خاضب بالسي مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب وربما عطفوا بالواو كما في قوله تعالى ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ) الآية ثم قال ( وضرب الله مثلا رجلين ) الآية . وقوله ( وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور ) الآية . بل وربما جمعوا بلا عطف كقوله تعالى ( حتى جعلناهم حصيدا خامدين ) . وهذه تفننات جميلة في الكلام البليغ فما ظنك بها إذا وقعت في التشبيه التمثيلي فإنه لعزته مفردا تعز استطاعة تكريره .
وأو عطفت لفظ صيب على الذي استوفد بتقدير مثل بين الكاف وصيب . وإعادة حرف التشبيه مع حرف العطف المغنى عن إعادة العامل وهذا التكرير مستعمل في كلامهم وحسنه هنا أن فيه إشارة إلى اختلاف الحالين المشبهين كما سنبينه وهم في الغالب لا يكررونه في العطف .
والتمثيل هنا لحال المنافقين حين حضورهم مجلس رسول الله A وسماعهم القرآن وما فيه من آي الوعيد لأمثالهم وآي البشارة فالغرض من هذا التمثيل تمثيل حالة مغايرة للحالة التي مثلت في قوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد ) بنوع إطلاق وتقييد .
فقوله ( أو كصيب ) تقديره أو كفريق ذي صيب أي كقوم على نحو ما تقدم في قوله ( كمثل الذي استوقد ) دل على تقدير قوم قوله ( يجعلون أصابعهم في آذانهم ) وقوله ( يخطف أبصارهم ) الآية . لأن ذلك لا يصح عوده إلى المنافقين فلا يجيء فيه ما جاز في قوله ( ذهب الله بنورهم ) الخ . فشبهت حال المنافقين بحال قوم سائرين في ليل بأرض قوم أصابها الغيث وكان أهلها كانين في مساكنهم كما علم ذلك من قوله ( كلما أضاء لهم مشوا فيه ) فذلك الغيث نفع أهل الأرض ولم يصبهم مما اتصل به الرعد والصواعق ضر ولم ينفع المارين بها وأضر بهم ما اتصل به من الظلمات والرعد والبرق فالصيب مستعار للقرآن وهدى الإسلام وتشبيهه بالغيث وارد . وفي الحديث الصحيح " مثل ما بعثني الله به من الهدى كمثل الغيث أصاب أرضا فكان منها نقية " الخ . وفي القرآن ( كمثل غيث أعجب الكفار نباته ) . ولا تجد حالة صالحة لتمثيل هيئة اختلاط نفع وضر مثل حالة المطر والسحاب وهو من بديع التمثيل القرآني ومنه أخذ أبو الطيب قوله : .
فتى كالسحاب الجون يرجى ويتقى ... يرجى الحيا منه وتخشى الصواعق والظلمات مستعار لما يعتري الكافرين من الوحشة عند سماعه كما تعتري السائر في الليل وحشة الغيم لأنه يحجب عنه ضوء النجوم والقمر . والرعد لقوارع القرآن وزواجره . والبرق لظهور أنوار هديه من خلال الزواجر فظهر أن هذا المركب التمثيلي صالح لاعتبارات تفريق التشبيه وهو أعلى التمثيل .
والصيب فيعل من صاب يصوب صوبا إذا نزل بشدة قال المرزوقي إن ياءه للنقل من المصدرية إلى الاسمية فهو وصف للمطر بشدة الظلمة الحاصلة من كثافة السحاب ومن ظلام الليل . والظاهر أن قوله ( من السماء ) ليس بقيد للصيب وإنما هو وصف كاشف جيء به لزيادة استحضار صورة الصيب في هذا التمثيل إذ المقام مقام إطناب كقول امرئ القيس : .
" كجلمود صخر حطه السيل من عل إذ قد علم السامع أن السيل لا يحط جلمود صخر إلا من أعلى ولكنه أراد التصوير وكقوله تعالى ( ولا طائر يطير بجناحيه ) وقوله ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض ) وقال تعالى ( فأمطر علينا حجارة من السماء )