والسماء تطلق على الجو المرتفع فوقنا الذي نخاله قبة زرقاء وعلى الهواء المرتفع قال تعالى ( كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ) وتطلق على السحاب وتطلق على المطر نفسه ففي الحديث : خطبنا رسول الله A إثر سماء الخ ولما كان تكون المطر من الطبقة الزمهريرية المرتفعة في الجو جعل ابتداؤه من السماء وتكرر ذلك في القرآن .
A E ويمكن أن يكون قوله ( من السماء ) تقييدا للصيب إما بمعنى من جميع أقطار الجو إذا قلنا إن التعريف في السماء للاستغراق كما ذهب إليه في الكشاف على بعد فيه إذ لم يعهد دخول لام الاستغراق إلا على اسم كل ذي أفراد دون اسم كل ذي أجزاء فيحتاج لتنزيل الأجزاء منزلة أفراد الجنس ولا يعرف له نظير في الاستعمال فالذي يظهر لي إن جعلنا قوله ( من السماء ) قيدا للصيب أن المراد من السماء أعلى الارتفاع والمطر إذا كان من سمت مقابل وكان عاليا كان أدوم بخلاف الذي يكون من جوانب الجو ويكون قريبا من الأرض غير مرتفع . وضمير " فيه " عائد إلى صيب والظرفية مجازية بمعنى معه والظلمات مضى القول فيه آنفا والمراد بالظلمات ظلام الليل أي كسحاب في لونه ظلمة الليل وسحابة الليل أشد مطرا وبرقا وتسمى سارية . والرعد أصوات تنشأ في السحاب . والبرق لامع ناري مضيء يظهر في السحاب والرعد والبرق ينشآن في السحاب من أثر كهربائي يكون في السحاب فإذا تكاثفت سحابتان في الجو إحداهما كهرباؤها أقوى من كهرباء الأخرى وتحاكتا جذبت الأقوى منهما الأضعف فحدث بذلك انشقاق في الهواء بشدة وسرعة فحدث صوت قوي هو المسمى الرعد وهو فرقعة هوائية من فعل الكهرباء ويحصل عند ذلك التقاء الكهرباءين وذلك يسبب انقداح البرق . وقد علمت أن الصيب تشبيه للقرآن وأن الظلمات والرعد والبرق تشبيه لنوازع الوعيد بأنها تسر أقواما وهم المنتفعون بالغيث وتسوء المسافرين غير أهل تلك الدار فكذلك الآيات تسر المؤمنين إذ يجدون أنفسهم ناجين من أن تحق عليهم وتسوء المنافقين إذ يجدونها منطبقة على أحوالهم .
( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين [ 19 ] يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضآء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير [ 20 ] ) الأظهر أن تكون جملة ( يجعلون ) حالا اتضح بها المقصود من الهيئة المشبه بها لأنها كانت مجملة وأما جملة ( يكاد البرق ) فيجوز كونها حالا من ضمير ( يجعلون ) لأن بها كمال إيضاح الهيئة المشبه بها ويجوز كونها استئنافا لبيان حال الفريق عند البرق نشأ عن بيان حالهم عند الرعد . وجملة ( كلما أضاء لهم مشوا فيه ) حال من ( البرق ) أو من ضمير ( أبصارهم ) لا غير وفي هذا تشبيه لجزع المنافقين من آيات الوعيد بما يعتري القائم تحت السماء حين الرعد والبرق والظلمات فهو يخشى استكاك سمعه ويخشى الصواعق حذر الموت ويعشيه البرق حين يلمع بإضاءة شديدة ويعمى عليه الطريق بعد انقطاع لمعانه . وقوله ( كلما أضاء لهم ) تمثيل لحال حيرة المنافقين بحال حيرة السائرين في الليل المظلم المرعد المبرق .
وقوله ( والله محيط بالكافرين ) اعتراض للتذكير بأن المقصود التمثيل لحال المنافقين في كفرهم لا لمجرد التفنن في التمثيل . وقوله ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) رجوع إلى وعيد المنافقين الذين هم المقصود من التمثيل فالضمائر التي في جملة ( ولو شاء الله ) راجعة إلى أصل الكلام وتوزيع الضمائر دل عليه السياق .
A E
