واللام في قوله ( للناس ) إن أبقيت على معناها الأصلي من الاختصاص فذكرها تأكيد لمعنى اللام المقدرة في الإضافة في قوله ( حسابهم ) لأن تقديره : حساب لهم والضمير عائد إلى ( الناس ) فصار قوله ( للناس ) مساويا للضمير الذي أضيف إليه ( حساب ) فكأنه قيل : اقترب حساب للناس لهم فكان تأكيدا لفظيا . وكما تقول : أزف للحي رحيلهم أصله أزف الرحيل للحي ثم صار أزف للحي رحيلهم ومنه قول العرب : لا أبا لك أصله لا أباك فكانت لام ( لك ) مؤكدة لمعنى الإضافة لإمكان إغناء الإضافة عن ذكر اللام . قال الشاعر : .
أبالموت الذي لا بد أني ... ملاق لا أباك تخوفيني وأصل النظم : اقترب للناس الحساب . وإنما نظم التركيب على هذا النظم بأن قدم ما يدل على المضاف إليه وعرف ( الناس ) تعريف الجنس ليحصل ضرب من الإبهام ثم يقع بعده التبيين . ولما في تقديم الجار والمجرور من الاهتمام بأن الاقتراب للناس ليعلم السامع أن المراد تهديد المشركين لأنهم الذين يكنى عنهم بالناس كثيرا في القرآن وعند التقديم احتيج إلى تقدير مصاف فصار مثل : اقترب حساب للناس الحساب وحذف المضاف لدلالة مفسره عليه . ولما كان الحساب حساب الناس المذكورين جيء بضمير الناس ليعود إلى لفظ الناس فيحصل تأكيد آخر وهذا نمط بديع من نسج الكلام ويجوز أن تكون اللام بمعنى ( من ) أو بمعنى ( إلى ) متعلقة ب ( اقترب ) فيكون المجرور ظرفا لغوا وعن ابن مالك أنه مثل لانتهاء الغاية بقولهم : " تقريب منك " .
وجملة ( وهم في غفلة معرضون ) حال من ( الناس ) أي اقترب منهم الحساب في حال غفلتهم وإعراضهم . والمراد بالناس المشركون لأنهم المقصود بهذا الكلام كما يدل عليه ما بعده .
والغفلة : الذهول عن الشيء وعن طرق علمه وقد تقدمت عند قوله تعالى : ( وإن كنا عن دراستهم لغافلين ) في سورة الأنعام وقوله تعالى : ( ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ) في سورة الأعراف .
والإعراض : صرف العقل عن الاشتغال بالشيء . وتقدم في قوله : ( فأعرض عنهم وعظهم ) في سورة النساء وقوله ( فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) في سورة الأنعام .
ودلت ( في ) على الظرفية المجازية التي هي شدة تمكن الوصف منهم أي وهم غافلون أشد الغفلة حتى كأنهم منغمسون فيها أو مظروفون في محيطها ذلك أن غفلتهم عن يوم الحساب متأصلة فيهم بسبب سابق كفرهم . والمعنى : أنهم غافلون عن الحساب وعن اقترابه .
A E وإعراضهم هو إبايتهم التأمل في آيات القرآن التي تذكرهم بالبعث وتستدل لهم عليه فمتعلق الإعراض غير متعلق الغفلة لأن المعرض عن الشيء لا يعد غافلا عنه أي أنهم لما جاءتهم دعوة الرسول A إلى الإيمان وإنذارهم بيوم القيامة استمروا على غفلتهم عن الحساب بسبب إعراضهم عن دلائل التذكير به . فكانت الغفلة عن الحساب منهم غير مقلوعة من نفوسهم بسبب تعطيلهم ما شأنه أن يقلع الغفلة عنهم بإعراضهم عن الدلائل المثبتة للبعث .
( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون [ 2 ] لاهية قلوبهم ) جملة مبينة لجملة ( وهم في غفلة معرضون ) لبيان تمكن الغفلة منهم وإعراضهم بأنهم إذا سمعوا في القرآن تذكيرا لهم بالنظر والاستدلال استغلوا عنه باللعب واللهو فلم يفقهوا معانيه وكان حظهم منه سماع ألفاظه كقوله تعالى : ( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) في سورة البقرة .
والذكر : القرآن أطلق عليه اسم الذكر الذي هو مصدر لإفادة قوة وصفه بالتذكير .
والمحدث : الجديد أي الجديد نزوله متكررا وهو كناية عن عدم انتفاعهم بالذكر كلما جاءهم بحيث لا يزالون بحاجة إلى إعادة التذكير وإحداثه مع قطع معذرتهم لأنه لو كانوا سمعوا ذكرا واحدا فلم يعبأوا به لانتحلوا لأنفسهم عذرا كانوا ساعتئذ في غفلة . فلما تكرر حدثان إتيانه تبين لكل منصف أنهم معرضون عنه صدا .
ونظير هذا قوله تعالى : ( وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين ) في سورة الشعراء وليس المراد بمحدث ما قابل القديم في اصطلاح علم الكلام لعدم مناسبته لسباق النظم .
ومسألة صفة كلام الله تعالى تقدم الخوض فيها عند قوله تعالى : ( وكلم الله موسى تكليما ) في سورة النساء