وجملة ( استمعوه ) حال من ضمير النصب في ( يأتيهم ) وهذا الحال مستثنى من عموم أحوال أي ما يأتيهم ذكر في حال إلا في حال استماعهم .
وجملة ( وهم يلعبون ) حال لازمة من ضمير الرفع في ( استمعوه ) مفيدة لجملة ( استمعوه ) لأن جملة ( استمعوه ) حال باعتبار أنها مقيدة بحال أخرى هي المقصودة من التقييد وإلا لصار الكلام ثناء عليهم . وفائدة هذا الترتيب بين الجملتين الحاليتين الزيادة لقطع معذرتهم المستفاد من قوله ( محدث ) كما علمت .
و ( لاهية قلوبهم ) حال من المبتدأ في جملة ( وهم يلعبون ) وهي احتراس لجملة ( استمعوه ) أي استماعا لا وعي معه .
( وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون [ 3 ] ) جملة مستأنفة يجوز أن تكون عطفا على جملة ( اقترب الناس حسابهم ) إلى آخرها لأن كلتا الجملتين مسوقة لذكر أحوال تلقي المشركين لدعوة النبي A بالتكذيب والبهتان والتآمر على رفضها . فالذين ظلموا هم المراد بالناس كما تقدم .
وواو الجماعة عائد إلى ما عاد إليه ضمائر الغيبة الراجعة إلى ( للناس ) وليست جملة ( وأسروا النجوى ) عطفا على جملة ( استمعوه وهم يلعبون ) لأن مضمونها ليس في معنى التقييد لما يأتيهم من ذكر .
و ( الذين ظلموا ) بدل من واو الجماعة لزيادة تقرير أنهم المقصود من النجوى . ولما في الموصول من الإيماء إلى سبب تناجيهم بما ذكر وأن سبب ذلك كفرهم وظلمهم أنفسهم وللنداء على قبح ما هم متصفون به .
وجملة ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) بدل من ( النجوى ) لأن ذلك هو ما تناجوا به . فهو بدل مطابق . وليست هي كجملة ( قالوا إن هذان لساحران ) من جملة ( فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى ) في سورة طه فإن تلك بدل بعض من كل لأن ذلك القول هو آخر ما أسفرت عليه النجوى .
ووجه إسرارهم بذلك الكلام قصدهم أن لا يطله المسلمون على ما تآمروا به لئلا يتصدى الرسول A للرد عليهم لأنهم علموا أن حجتهم في ذلك واهية يرومون بها أن يضللوا الدهماء أو أنهم أسروا بذلك لفريق رأوا منهم مخائل التصديق لما جاء به النبي A لما تكاثر بمكة الذين أسلموا فخشوا أن يتتابع دخول الناس في الإسلام فاختلوا بقوم ما زالوا على الشرك وناجوهم بذلك ليدخلوا الشك في قلوبهم .
A E والنجوى : المحادثة الخفية . والإسرار : هو الكتمان والكلام الخفي جدا . وقد تقدم الجمع بينهما في قوله تعالى ( ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ) في سورة براءة وتقدم وجه جعل النجوى مفعولا ل ( أسروا ) في قوله تعالى ( وأسروا النجوى ) في سورة طه أي جعلوا نجواهم مقصودة بالكتمان وبالغوا في إخفائها لأن شأن التشاور في المهم كتمانه كيلا يطلع عليه المخالف فيفسده .
والاستفهام في قوله ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) إنكاري يقتضي أنهم خاطبوا من قارب أن يصدق بنبوة محمد A أي فكيف تؤمنون بنبوءته وهو أحد منكم .
وكذلك الاستفهام في قوله ( أفتأتون السحر ) إنكاري وأراد بالسحر الكلام الذي يتلوه عليكم .
والمعنى : أنه لما كان بشرا مثلكم فما تصديقكم لنبوءته إلا من أثر سحر سحركم به فتأتون السحر بتصديقكم بما يدعوكم إليه .
وأطلق الإتيان على القبول والمتابعة على طريق المجاز أو الاستعارة لأن الإتيان لشيء يقتضي الرغبة فيه ويجوز أن يراد بالإتيان هنا حضور النبي A لسماع دعوته فجعلوه إتيانا لأن غالب حضور المجالس أن يكون بإتيان إليها وجعلوا كلامه سحرا فنهوا من ناجوهم عن الاستماع إليه . وهذا كقوله تعالى : ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) في سورة فصلت .
وقوله ( وأنتم تبصرون ) في موضع الحال أي تأتون السحر وبصركم سليم وأرادوا به العلم البديهي فعبروا عنه بالبصر لأن المبصرات لا يحتاج إدراكها إلى تفكير .
( قل ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم [ 4 ] )