أطلع الله رسوله على نجواهم فلم يتم لهم ما أرادوا من الإسرار بها فيعد أن حكى ما تناجوا به أمره أن يخبرهم بأن الله الذي علم نجواهم يعلم كل قول في السماء والأرض من جهر أو سر فالتعريف في ( القول ) للاستغراق وبذلك كان هذا تذييلا وأعلمهم بأنه المتصف بتمام العلم للمسموعات وغيرها بقوله ( وهو السميع العليم ) .
وقرأ الجمهور ( قل ) بصيغة الأمر . وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف ( قال ) بصيغة الماضي وكذلك هي مرسومة في المصحف الكوفي قاله أبو شامة أي قال الرسول لهم حكى الله ما قاله الرسول لهم وإنما قاله عن وحي فكان في معنى قراءة الجمهور ( قل ربي يعلم القول ) لأنه إذا أمر بأن يقوله فقد قاله .
وإنما لم يقل يعلم السر لمراعاة العلم بأن الذي قالوه من قبيل السر وأن إثبات علمه بكل قول يقتضي إثبات علمه بالسر وغيره بناء على متعارف الناس . وأما قوله في سورة الفرقان : ( قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ) فلم يتقدم قبله ذكر للإسرار وكان قول الذين كفروا : ( إن هذا إلا إفك افتراه ) صادرا منهم تارة جهرا وتارة سرا فأعلمهم الله باطلاعه على سرهم . ويعلم منه أنه مطلع على جهرهم بطريقة الفحوى .
( بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون [ 5 ] ) ( بل ) الأولى من كلام الله تعالى إضراب انتقال من حكاية قول فريق منهم ( أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) إلى حكاية قول آخر من أقوال المشركين وهو زعمهم أن ما يخبر عنه ويحكيه هو أحلام يراها فيحكيها فضمير ( قالوا ) لجماعة المشركين لا لخصوص القائلين الأولين .
و ( بل ) الثانية يجوز أن تكون من الكلام المحكي عنهم وهي إضراب انتقال فيما يصفون به القرآن . والمعنى : بل افتراه واختلقه من غير أحلام أي هو كلام مكذوب .
ثم انتقلوا فقالوا ( هو شاعر ) أي كلامه شعر فحرف ( بل ) الثالثة إضراب منهم عن كلامهم وذلك مؤذن باضطرابهم وهذا الاضطراب ناشئ عن ترددهم مما ينتحلونه من الاعتلال عن القرآن . وذلك شأن المبطل المباهت أن يتردد في حجته كما قيل : الباطل لجلج أي ملتبس متردد فيه .
ويجوز أن تكون ( بل ) الثانية والثالثة مثل ( بل ) الأولى للانتقال في حكاية أقوالهم . والتقدير : بل قالوا افتراه بل قالوا هو شاعر وحذف فعل القول لدلالة القول الأول عليهما وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المحكي كلام جماعات من المشركين انتحلت كل جماعة اعتلالا .
A E والأضغاث : جمع ضغث بكسر الضاد وهو الحزمة من أعواد أو عشب أو حشيش مختلط ثم أطلق على الأخلاط مطلقا كما في سورة يوسف ( قالوا أضغاث أحلام ) أرادوا أن ما يخبركم به من أنه أوحي إليه ومن أخبار البعث والحساب ويوم القيامة هو أحلام يراها .
وفرعوا على ترددهم أو فرع كل فريق على مقالته نتيجة واحدة وهي المطالبة أن يأتيهم بمعجزة تدل على صدقة غير هذا القرآن من نوع ما يحكى عن الرسل السابقين أنهم أتوا به مثل انقلاب العصا حية .
ومن البهتان أن يسألوا الإتيان بآية يكون الادعاء بأنها سحر أروج في مثلها فإن من أشهر أعمال السحرة إظهار ما يبدو أنه خارق عادة . وقديما قال آل فرعون في معجزات موسى : إنها سحر بخلاف آية إعجاز القرآن .
ودخلت لام الأمر على فعل الغائب لمعنى إبلاغ الأمر إليه أي فقولوا له : ائتنا بآية . والتشبيه في قوله : ( كما أرسل الأولون ) في موضع الحال من ضمير ( يأتنا ) أي حالة كون هذا البشر حين يأتي بالآية يشبه رسالته رسالة الأولين والمشبه ذات والمشبه به معنى الرسالة وذلك واسع في كلام العرب . قال النابغة : .
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعل من ذي المطارة عاقل أي عل مخافة وعل أو حالة كون الآية كما أرسل الأولون أي به .
( ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون [ 6 ] ) استئناف ابتدائي جوابا على قولهم ( كما أرسل الأولون ) والمعنى : أن الأمم التي أرسل إليها الأولون ما أغنت فيهم الآيات التي جاءتهم كما وددتم أن تكون لكم مثلها فما آمنوا ولذلك حق عليهم الإهلاك فشأنكم أيها المشركون كشأنهم . وهذا كقوله تعالى : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) في سورة الإسراء