وإنما أمسك الله الآيات الخوارق عن مشركي مكة لأنه أراد استبقاءهم ليكون منهم مؤمنون وتكون ذرياتهم حملة هذا الدين في العالم ولو أرسلت عليهم الآيات البينة لكانت سنة الله أن يعقبها عذاب الاستئصال للذين لا يؤمنون بها .
و ( ما ) نافيه . و ( من ) في قوله تعالى ( من قرية ) مزيدة لتأكيد النفي المستفاد من حرف ( ما ) .
ومتعلق ( آمنت ) محذوف دل عليه السياق أي ما آمنت بالآيات قرية .
وجملة ( أهلكناها ) صفة ل ( قرية ) وردت مستطردة للتعريض بالوعيد بأن المشركين أيضا يترقبون الإهلاك .
وذكرت القرية هنا مرادا بها أهلها ليبنى عليها الوصف بإهلاكها لأن الإهلاك أصاب أهل القرى وقراهم فلذلك قيل ( أهلكناها ) دون ( أهلكناهم ) كما في سورة الكهف : ( وتلك القرى أهلكناهم ) .
وفرعت جملة ( أفهم يؤمنون ) على جملة ( ما آمنت قبلهم من قرية ) مقترنة باستفهام الإنكار أي فهم لا يؤمنون لو أتيناهم بآية كما اقترحوا كما لم يؤمن الذين من قبلهم الذين جعلوهم مثالا في قولهم ( كما أرسل الأولون ) وهذا أخذ لهم بلازم قولهم .
( وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى إليهم فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [ 7 ] ) عطف جواب على جواب . والمقصود من هذا إبطال مقصودهم من قولهم ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) إذ أرادوا أنه ليس بأهل للامتياز عنهم بالرسالة عن الله تعالى فبين خطأهم في استدلالهم بأن الرسل الأولين الذين اعترفوا برسالتهم ما كانوا إلا بشرا وأن الرسالة ليست إلا وحيا من الله لمن اختاره من البشر .
وقوله ( إلا رجالا ) يقتضي أن ليس في النساء رسلا وهذا مجمع عليه . وإنما الخلاف في نبوءة النساء مثل مريم أخت موسى ومريم أم عيسى . ثم عرض بجهلهم وفضح خطأهم فأمرهم أن يسألوا أهل الذكر أي العلم بالكتب والشرائع السالفة من الأحبار والرهبان .
وجملة ( فاسألوا أهل الذكر ) الخ معترضة بين الجمل المتعاطفة .
وتوجيه الخطاب لهم بعد كون الكلام جرى على أسلوب الغيبة التفات ونكتته أن الكلام لما كان في بيان الحقائق الواقعة أعرض عنهم في تقريره وجعل من الكلام الموجه إلى كل سامع وجعلوا فيه معبرا عنهم بضمائر الغيبة ولما أريد تجهيلهم وإلجاؤهم إلى الحجة عليهم غير الكلام إلى الخطاب تسجيلا عليهم وتقريعا لهم بتجهيلهم .
( وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين [ 8 ] ) A E الجسد : الجسم الذي لا حياة فيه وهو يرادف الجثة . هذا قول المحققين من أئمة اللغة مثل أبي إسحاق الزجاج في تفسير قوله تعالى : ( فأخرج لهم عجلا جسدا ) . وقد تقدم هناك ومنه قوله تعالى : ( ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ) . قيل هو شق غلام لا روح فيه ولدته إحدى نسائه أي ما جعلناهم أجراما غير منبثة فيها الأرواح بحيث تنفي عنهم صفات البشر التي خاصتها أكل الطعام وهذا رد لما يقولونه ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ) مع قولهم هنا ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) .
وذكر الجسد يقيد التهكم بالمشركين لأنهم لما قالوا ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ) وسألوا أن يأتي بما أرسل به الأولون كان مقتضى أقوالهم أن الرسل الأولين كانوا في صور الآدميين لكنهم لا يأكلون الطعام وأكل الطعام من لوازم الحياة فلزمهم لما قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام أن يكونوا قائلين بأن شأن الرسل أن يكونوا أجسادا بلا أرواح وهذا من السخافة بمكانة .
وأما قوله : ( وما كانوا خالدين ) فهو زيادة استدلال لتحقيق بشريتهم استدلالا بما هو واقع من عدم كفاءة أولئك الرسل كما هو معلوم بالمشاهدة لقطع معاذير الضالين فإن زعموا أن قد كان الرسل الأولون مخالفين للبشر فماذا يصنعون في لحاق الفناء إياهم . فهذا وجه زيادة ( وما كانوا خالدين ) .
وأتي في نفي الخلود عنهم بصيغة ( ما كانوا ) تحقيقا لتمكن عدم الخلود منهم .
( ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين [ 9 ] )
