فكذلك هذه الآية عقب بها ذكر القوم المهلكين والمقصود من ذلك إيقاظ العقول إلى الاستدلال بما في خلق السماوات والأرض وما بينهما من دقائق المناسبات وإعطاء كل مخلوق ما به قوامه فإذا كانت تلك سنة الله في خلق العوالم ظرفها ومظروفها استدل بذلك على أن تلك السنة لا تختلف في ترتب المسببات على أسبابها فيما يأتيه جنس المكلفين من الأعمال فإذا ما لاح لهم تخلف سبب عن سببه أيقنوا أنه تخلف مؤقت فإذا علمهم الله على لسان شرائعه بأنه ادخر الجزاء الكامل على الأعمال إلى يوم آخر آمنوا به وإذا علمهم أنهم لا يفرقون ذلك بالموت بل إن لهم حياة آخرة وأن الله باعثهم بعد الموت أيقنوا بها وإذا علمهم أنه ربما عجل لهم بعض الجزاء في الحياة الدنيا أيقنوا به .
ولذلك كثر تعقيب ذكر نظام خلق السماوات والأرض بذكر الجزاء الآجل والبعث وإهلاك بعض الأمم الظالمة أو تعقيب ذكر البعث والجزاء الآجل والعاجل بذكر نظام خلق السماوات والأرض .
وحسبك تعقيب ذلك بالتفريع بالفاء في قوله تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ) الآيات ختام سورة آل عمران .
ولأجل هذا طرد أو كاد أن يطرد ذكر لفظ ( وما بينهما ) بعد ذكر خلق السماوات والأرض في مثل هذا المقام لأن تخصيص ما بينهما بالذكر يدل على الاهتمام به لأن أشرفه نوع الإنسان المقصود بالعبرة والاستدلال وهو مناط التكليف . فليس بناء الكلام على أن يكون الخلق لعبا منظورا فيه إلى رد اعتقاد معتقد ذلك ولكنه بني على النفي أخذا لهم بلازم غفلتهم عن دقائق حكمة الله بحيث كانوا كقائلين بكون هذا الصنع لعبا .
واللعب : العمل أو القول الذي لا يقصد به تحصيل فائدة من مصلحة أو دفع مفسدة ولا تحصيل نفع أو دفع ضر وإنما يقصد به إرضاء النفس حين تميل إلى العبث كما قيل : " لابد للعاقل من حمقة يعيش بها " . ويرادفه العبث واللهو وضده : الجد . واللعب من الباطل إذ ليس في عمله حكمة فضده الحق أيضا .
وانتصب ( لاعبين ) على الحال من ضمير ( خلقنا ) وهي حال لازمة إذا لا يستقيم المعنى بدونها .
A E وجملة ( لو أردنا أن نتخذ لهوا ) مقررة لمعنى جملة ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) تقرير بالاستدلال على مضمون الجملة وتعليلا لنفي أن يكون خلق السماوات والأرض لعبا أي عبثا بأن اللعب ليس من شأننا أو على الفرض والتنازل لو أردنا اللهو لكان ما يلهو به حاصلا في أشرف الأماكن من السماوات فإنها أشد اختصاصا بالله تعالى إذ جعل سكانها عبادا له مخلصين فلذلك عبر عنها باسم الظرف المختص وهو ( لدن ) مضافا إلى ضمير الجلالة بقوله تعالى من ( لدنا ) أي غير العوالم المختصة بكم بل لكان في عالم الغيب الذي هو أشد اختصاصا بنا إذ هو عالم الملائكة المقربين . فالظرفية المفادة من ( لدن ) ظرفية مجازية . وإضافة ( لدن ) إلى ضمير الجلالة دلالة على الرفعة والتفضيل كقوله تعالى ( رزقا من لدنا ) في سورة القصص وقوله تعالى ( وهب لنا من لدنك رحمة ) في آل عمران أي لو أردنا أن نتخذ لهوا كان اتخاذه في عالم شهادتكم . وهذا استدلال باللزوم العرفي لأن شأن من يتخذ شيئا للتفكه به أن يستأثر به ولا يبيحه لغيره وهو مبني على متعارف عقول المخاطبين من ظنهم أن العوالم العليا أقرب إلى الله تعالى .
وجملة ( إن كنا فاعلين ) إن جعلت ( إن ) شرطية فارتباطها بالتي قبلها ارتباط الشرط بجزائه المحذوف الدال عليه جواب ( لو ) وهو جملة ( لاتخذناه ) فيكون تكريرا للتلازم وإن جعلت ( إن ) حرف نفي كانت الجملة مستأنفة لتقرير الامتناع المستفاد من ( لو ) أي ما كنا فاعلين لهوا .
( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون [ 18 ] ) ( بل ) للإضراب عن اتخاذ اللهو وعن أن يكون الخلق لعبا إضراب إبطال وارتقاء أي بل نحن نعمد إلى باطلكم فنقذف بالحق عليه كراهية للباطل بله أن نعمل عملا هو باطل ولعب