والفساد : هو اختلال النظام وانتفاء النفع من الأشياء . ففساد السماء والأرض هو أن تصيرا غير صالحتين ولا منتسقتي النظام بأن يبطل الانتفاع بما فيها . فمن صلاح السماء نظام كواكبها وانضباط مواقيت طلوعها وغروبها ونظام النور والظلمة . ومن صلاح الأرض مهدها للسير وإنباتها الشجر والزرع واشتمالها على المرعى والحجارة والمعادن والأخشاب وفساد كل من ذلك ببطلان نظامه الصالح .
ووجه انتظام هذا الاستدلال أنه لو تعددت الآلهة للزم أن يكون كل إله متصفا بصفات الإلهية المعروفة آثارها وهي الإرادة المطلقة والقدرة التامة على التصرف ثم إن التعدد يقتضي اختلاف متعلقات الإرادات والقدر لأن الآلهة لو استوت في تعلقات إرادتها ذلك لكان تعدد الآلهة عبثا للاستغناء بواحد منهم ولأنه إذا حصل كائن فإن كان حدوثه بإرادة متعددين لزم اجتماع مؤثرين على مؤثر واحد وهو محال لاستحالة اجتماع علتين تامتين على معلول واحد فلا جرم أن تعدد الآلهة يستلزم اختلاف متعلقات تصرفاتها اختلافا بالأنواع أو بالأحوال أو بالبقاع فالإله الذي لا تنفذ إرادته بعض الموجودات ليس بإله بالنسبة إلى تلك الموجودات التي أوجدها غيره .
ولا جرم أن تختلف متعلقات إرادات الآلهة باختلاف مصالح رعاياهم أو مواطنهم أو أحوال تصرفاتهم فكل يغار على ما في سلطانه .
فثبت أن التعدد يستلزم اختلاف الإرادات وحدوث الخلاف .
ولما كان التماثل في حقيقة الإلهية يقتضي التساوي في قوة قدرة كل إله منهم وكان مقتضيا تمام المقدرة عند تعلق الإرادة بالقهر للضد بأن لا يصده شيء عن استئصال ضده وكل واحد منهم يدفع عن نفسه بغزو ضده وإفساد ملكه وسلطانه تعين أنه كلما توجه واحد منهم إلى غزو ضده أن يهلك كل ما هو تحت سلطانه فلا يزال يفسد ما في السماوات والأرض عند كل خلاف كما قال تعالى : ( وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) في سورة المؤمنون .
A E فلا جرم دلت مشاهدة دوام السماوات والأرض على انتظامها في متعدد العصور والأحوال على أن إلهها واحد غير متعدد .
فأما لو فرض التفاوت في حقيقته الإلهية فإن ذلك يقتضي رجحان بعض الآلهة على بعض وهو أدخل في اقتضاء الفساد إذ تصير الغلبة للأقوى منهم فيجعل الكل تحت كلاكله ويفسد على كل ضعيف منهم ما هو في حوزته فيكون الفساد أسرع .
وهذا الاستدلال باعتبار كونه مسوقا لإبطال تعدد خاص وهو التعدد الذي اعتقده أهل الشرك من العرب واليونان الزاعمين تعدد الآلهة بتعدد القبائل والتصرفات وكذا ما اعتقده المانوية من الفرس المثبتين إلهين أحدهما للخير والآخر للشر أو أحدهما للنور والآخر للظلمة هو دليل قطعي .
وأما باعتبار ما نحاه المتكلمون من الاستدلال بهذه الآية على إبطال تعدد الآلهة من أصله بالنسبة لإيجاد العالم وسموه برهان التمانع فهو دليل إقناعي كما قال سعد الدين التفتزاني في شرح النسفية . وقال في المقاصد : " وفي بعضها ضعف لا يخفى " .
وبيانه أن الاتفاق على إيجاد العالم يمكن صدوره من الحكيمين أو الحكماء فلا يتم الاستدلال إلا بقياس الآلهة على الملوك في العرف وهو قياس إقناعي .
ووجه تسميته برهان التمانع أن جانب الدلالة فيه على استحالة تعدد الإله هو فرض أن يتمانع الآلهة أي يمنع بعضهم بعضا من تنفيذ مراده والخوض فيه مقامنا غني عنه .
والمنظور إليه في الاستدلال هنا هو لزوم فساد السماوات والأرض لا إلى شيء آخر من مقدمات خارجه عن لفظ الآية حتى يصير الدليل بها دليلا قطعيا لأن ذلك له أدلة أخرى كقوله تعالى ( وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) . وسيجيء في سورة المؤمنون .
وأما الاستدلال ببرهان التمانع فللمتكلمين في تقريره طريقتان ذكرهما صاحب المواقف
