والحب : هو ما ينبت في الزرع الذي يخرج سنابل تحوي حبوبا مثل البر والشعير والذرة والسلت والقطاني مما تحصد أصوله ليدق فيخرج ما فيه من الحب .
و ( حب الحصيد ) مفعول ( أنبتا ) لأن الحب مما نبت تبعا لنبات سنبله المدلول على إنباته بقوله ( الحصيد ) إذ لا يحصد إلا بعد أن ينبت .
والحصيد : الزرع المحصود أي المقطوع من جذوره لأكل حبه فإضافة ( حب ) إلى ( الحصيد ) على أصلها وليست من إضافة الموصوف إلى الصفة .
وفائدة ذكر هذا الوصف : الإشارة إلى اختلاف أحوال استحصال ما ينفع الناس من أنواع النبات فإن الجنات تستثمر وأصولها باقية والحبوب تستثمر بعد حصد أصولها على أن في ذلك الحصيد منافع للأنعام تأكله بعد أخذ حبه كما قال تعالى ( متاعا لكم ولأنعامكم ) .
A E وخص النخل بالذكر مع تناول جنات له لأنه أهم الأشجار عندهم وثمره أكثر أقواتهم ولإتباعه بالأوصاف له ولطلعه مما يثير تذكر بديع قوامه وأنيق جماله .
والباسقات : الطويلات في ارتفاع أي عاليات فلا يقال : باسق للطويل الممتد على الأرض . وعن ابن شداد : الباسقات الطويلات مع الاستقامة . ولم أره لأحد من أئمة اللغة . ولعل مراده من الاستقامة الامتداد في الارتفاع . وهو بالسين المهملة في لغة جميع العرب عدا بني العنبر من تميم يبدلون السين صادا في هذه الكلمة . قال ابن جني : الأصل السين وإنما الصاد بدل منها لاستعلاء القاف . وروى الثعلبي عن قطبة بن مالك أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح قرأها بالصاد . ومثله في ابن عطية وهو حديث غير معروف .
والذي في صحيح مسلم وغيره عن قطبة بن مالك مروية بالسين . ومن العجيب أن الزمخشري قال : وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم باصقات .
وانتصب ( باسقات ) على الحال . والمقصود من ذلك الإيماء إلى بديع خلقته وجمال طلعته استدلالا وامتنانا .
والطلع : أول ما يظهر من ثمر التمر وهو في الكفرى أي غلاف العنقود .
والنضيد : المنضود أي المصفف بعضه فوق بعض ما دام في الكفرى فإذا انشق عنه الكفرى فليس بنضيد . فهو معناه بمعنى مفعول قال تعالى ( وطلح منضود ) .
وزيادة هذه الحال للازدياد من الصفات الناشئة عن بديع الصنعة ومن المنة بمحاسن منظر ما أوتوه .
( رزقا للعباد ) مفعول لأجله لقوله ( فأنبتنا به جنات ) إلى آخره فهو مصدر أي لنرزق العباد أي نقوتهم .
والقول في التعليل به كالقول في التعليل بقوله ( تبصره وذكرى ) .
والعباد : الناس وهو جمع عبد بمعنى عبد الله فأما العبد المملوك فجمعه العبيد . وهذا استدلال وامتنان .
( وأحيينا به بلدة ميتا ) عطف على ( رزقا للعباد ) عطف الفعل على الاسم المشتق من الفعل وهو رزقه المشتق لأنه في معنى : رزقنا العباد وأحيينا به بلدة ميتا أي لرعي الأنعام والوحش فهو استدلال وفيه امتنان .
والبلدة : القطعة من الأرض .
والميت بالتخفيف : مرادف الميت بالتشديد قال تعالى ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ) .
وتذكير الميت وهو وصف للبلدة وهي مؤنث على تأويله بالبلد لأنه مرادفه وبالمكان لأنه جنسه شبه الجدب بالموت في انعدام ظهور الآثار ولذلك سمي ضده وهو إنبات الأرض حياة . ويقال لخدمة الأرض اليابسة وسقيها : إحياء موات .
( كذلك الخروج [ 11 ] ) بعد ظهور الدلائل بصنع الله على إمكان البعث لأن خلق تلك المخلوقات من عدم يدل على أن إعادة بعض الموجودات الضعيفة أمكن وأهون جيء بما يفيد تقريب البعث بقوله ( كذلك الخروج ) .
فهذه الجملة فذلكة للاستدلال على إمكان البعث الذي تضمنته الجمل السابقة فوجب انفصال هذه الجملة فتكون استئنافا أو اعتراضا في آخر الكلام على رأي من يجيزه وهو الأصح .
والإشارة ( بذلك ) إلى ما ذكر آنفا من إحياء الأرض بعد موتها أي كما أحيينا الأرض بعد موتها كذلك نحيي الناس بعد موتهم وبلاهم مع إفادتها تعظيم شأن المشار إليه أي مثل البعث العظيم الإبداع .
والتعريف في ( الخروج ) للعهد أي خروج الناس من الأرض كما قال تعالى ( يوم يخرجون من الأجداث سراعا ) . ف ( الخروج ) صار كالعلم بالغلبة على البعث وسيأتي قوله تعالى ( ذلك يوم الخروج )