والغفلة : الذهول عما شأنه أن يعلم وأطلقت هنا على الإنكار والجحد على سبيل التهكم ورشح ذلك قوله ( فكشفنا عنك غطاءك ) بمعنى : بينا لك الدليل بالحس فهو أيضا تهكم .
A E وأوثر قوله ( في غفلة ) على أن يقال غافلا للدلالة على تمكن الغفلة منه ولذلك استتبع تمثيلها بالغطاء .
وكشف الغطاء تمثيل لحصول اليقين بالشيء بعد إنكار وقوعه أي كشفنا عنك الغطاء الذي كان يحجب عنك وقوع هذا اليوم بما فيه واسند الكشف إلى الله تعالى لأنه الذي أظهر لها أسباب حصول اليقين بشواهد عين اليقين .
وأضيف ( غطاء ) إلى ضمير الإنسان المخاطب للدلالة على اختصاصه به وأنه مما يعرف به .
وحدة البصر : قوة نفاذه في المرئي وحدة كل شيء قوة مفعوله ومنه حدة الذهن والكلام يتضمن تشبيه حصول اليقين برؤية المرئي ببصر قوي وتقييده بقوله ( اليوم ) تعريض بالتوبيخ أل ليس حالك اليوم كحالك قبل اليوم إذ كنت في الدنيا منكرا للبعث .
والمعنى : فقد شاهدت البعث والحشر والجزاء فإنهم كانوا ينكرون ذلك كله ( قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما إنا المدينون ) وقالوا ( وما نحن بمعذبين ) فقد رأى العذاب ببصره .
( وقال قرينه هذا ما لدي عتيد [ 23 ] ) الواو واو الحال والجملة حال من تاء الخطاب في قوله ( لقد كنت في غفلة من هذا ) أي يوبخ عند مشاهدة العذاب بكلمة ( لقد كنت في غفلة من هذا ) في حال قوله قرينه ( هذا ما لدي عتيد ) .
وهاء الغائب في قوله ( قرينه ) عائدة إلى كل نفس أو إلى الإنسان .
وقرين فعيل بمعنى مفعول أي مقرون إلى غيره . وكأن فعل قرن مشتق من القرن بالتحريك وهو الحبل وكانوا يقرنون البعير بمثله لوضع الهودج فاستعير القرين للملازم . وهذا ليس بالتفات إذ ليس هو تغيير ضمير ولكنه تعيين أسلوب الكلام وأعيد عليه ضمير الغائب المفرد باعتبار معنى ( نفس ) أي شخص أو غلب التذكير على التأنيث .
واسم الإشارة في قوله ( هذا ما لدي ) الخ يفسره قوله ( ما لدي عتيد ) .
و ( ما ) في قوله ( ما لدي ) موصولة بدل من اسم الإشارة . و ( لدي ) صلة و ( عتيد ) خبر عن اسم الإشارة .
واختلف المفسرون في المراد بالقرين في هذه الآية على ثلاثة أقوال : فقال قتادة والحسن والضحاك وابن زيد ومجاهد في أحد قوليه هو الملك الموكل بالإنسان الذي يسوقه إلى المحشر " أي هو السائق الشهيد " . وهذا يقتضي أن يكون القرين في قوله الآتي ( قال قرينه ربنا ما أطغيته ) بمعنى غير معنى القرين في قوله ( وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ) .
وعن مجاهد أيضا : أن القرين شيطان الكافر الذي كان يزين له الكفر في الدنيا أي الذي ورد في قوله تعالى ( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ) .
وعن ابن زيد أيضا : أن قرينه صاحبه من الإنس أي الذي كان قرينه في الدنيا .
وعلى الاختلاف في المراد بالقرين يختلف تفسير قوله ( هذا ما لدي عتيد ) فإن كان القرين الملك كانت الإشارة بقوله ( هذا ) إلى العذاب الموكل به ذلك الملك ؛ وإن كان القرين شيطانا أو أنسانا كانت الإشارة محتملة لأن تعود إلى العذاب كما في الوجه الأول أو أن تعود إلى معاد ضمير الغيبة في قوله ( قرينه ) وهو في نفس الكافر أي هذا الذي معي فيكون ( لدي ) بمعنى : معي إذ لا يخلو أحد من صاحب يأنس بمحادثته والمراد به قرين الشرك المماثل .
وقد ذكر الله من كان قرينا للمؤمن من المشركين واختلاف حاليهما يوم الجزاء بقوله ( قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لن المصدقين ) الآية في سورة الصافات . وقول القرين ( هذا ما لدي عتيد ) مستعمل في التلهف والتحسر والإشقاق لأنه لما رأى ما به العذاب علم أنه قد هيئ له أولما رأى ما قدم إليه قرينه علم أنه لاحق على أثره كقصة الثورين الأبيض والأحمر اللذين استعان الأسد بالأحمر منهما على أكل الثور الأبيض ثم جاء الأسد بعد يوم ليأكل الثور الأحمر فعلا الأحمر ربوة وصاح " ألا إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض " .
وتقدم معنى ( عتيد ) عند قوله تعالى ( إلا لديه رقيب عتيد ) وهو هنا متعين للمعنى الذي فسر عليه المفسرون أي معد ومهيأ .
( ألقيا في جهنم كل كفار عنيد [ 24 ] مناع للخير معتد مريب [ 25 ] ) A E
