فالناس يتوهمون أمثال ذلك ملكا وليس كما يتوهمون .
واليد : تمثيل بأن شبهت الهيئة المعقولة المركبة من التصرف المطلق في الممكنات الموجودة والمعدومة بالإمداد والتغيير والإعدام والإيجاد ؛ بهيئة إمساك اليد بالشيء المملوك تشبيه معقول بمحسوس في المركبات .
وفي معنى هذه الآية قوله تعالى ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ) في سورة آل عمران .
والملك بضم الميم : اسم لأكمل أحوال الملك بكسر الميم والملك بالكسر جنس للملك بالضم وفسر الملك المضموم بضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم وهو تفسير قاصر . وأرى أن يفسر بأنه تصرف في طائفة من الناس ووطنهم تصرفا كاملا بتدبير ورعاية فكل ملك " بالضم " ملك " بالكسر " وليس كل ملك ملكا .
وقد تقدم في قوله ( ملك يوم الدين ) في الفاتحة وعند قوله ( أنى يكون له الملك علينا ) في سورة البقرة . وجملة ( وهو على كل شيء قدير ) معطوفة على جملة ( بيده الملك ) التي هي صلة الموصول وهي تعميم بعد تخصيص لتكميل المقصود من الصلة إذ أفادت الصلة عموم تصرفه في الموجودات وأفادت هذه عموم تصرفه في الموجودات والمعدومات بالإعدام للموجودات والإيجاد للمعدومات فيكون قوله ( وهو على كل شيء قدير ) مفيدا معنى آخر غير ما أفاده قوله ( بيده الملك ) تفادي من أن يكون معناه تأكيدا لمعنى ( بيده الملك ) وتكون هذه الجملة تتميما للصلة . وفي معنى صلة ثانية ثم عطفت ولم يكرر فيها اسم موصول بخلاف قوله ( الذي خلق الموت ) وقوله ( الذي خلق سبع سماوات ) .
و ( شيء ) : ما يصح أن يعلم ويخبر عنه . وهذا هو الإطلاق الأصلي في اللغة . وقد يطلق ( الشيء ) على خصوص الموجود بحسب دلالة القرائن والمقامات . وأما التزام الأشاعرة : أن الشيء لا يطلق إلا على الموجود فهو التزام ما لا يلزم دعا إليه سد باب الحجاج مع المعتزلة في أن الوجود عين الموجود أو زائد على الموجود فتفرعت عليه مسألة : أن المعدوم شيء عند جمهور المعتزلة وأن الشيء لا يطلق إلا على الموجود عند الأشعري وبعض المعتزلة وهي مسألة لا طائل تحتها والخلاف فيها لفظي والحق أنها مبنية على الاصطلاح في مسائل علم الكلام لا على تحقيق المعنى في اللغة .
وتقديم المجرور في قوله ( على كل شيء قدير ) للاهتمام بما فيه من التعميم ولإبطال دعوى المشركين نسبتهم الإلهية لأصنامهم مع اعترافهم بأنه لا تقدر على خلق السماوات والأرض ولا على الإحياء والإماتة .
( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور [ 2 ] ) صفة ل ( الذي بيده الملك ) فلما شمل قوله ( وهو على كل شيء قدير ) تعلق القدرة بالموجود والمعدوم أتبع بوصفه تعالى بالتصرف الذي منه خلق المخلوقات وأعراضها لأن الخلق أعظم تعلق القدرة بالمقدور لدلالته على صفة القدرة وعلى صفة العلم .
وأوثر بالذكر من المخلوقات الموت والحياة لأنهما أعظم العوارض لجنس الحيوان الذي هو أعجب الموجود على الأرض والذي الإنسان نوع منه وهو المقصود بالمخاطبة بالشرائع والمواعظ فالإماتة تصرف في الموجود بإعداده للفناء والإحياء تصرف في المعدوم بإيجاده ثم إعطائه الحياة ليستكمل وجود نوعه .
فليس ذكر خلق الموت والحياة تفصيلا لمعنى الملك بل هو وصف مستقل .
والاقتصار على خلق الموت والحياة لأنهما حالتان هما مظهرا تعلق القدرة بالمقدور في الذات والعرض لأن الموت والحياة عرضان والإنسان معروض لهما .
والعرض لا يقوم بنفسه فلما ذكر خلق العرض علم من ذكره خلق معروضه بدلالة الاقتضاء .
وأوثر ذكر الموت والحياة لما يدلان عليه من العبرة بتداول العرضين المتضادين على معروض واحد وللدلالة على كمال صنع الصانع فالموت والحياة عرضان يعرضان للموجود من الحيوان والموت يعد الموجود للفناء والحياة تعد الموجود للعمل للبقاء مدة . وهما عند المتكلمين من الأعراض المختصة بالحي وعند الحكماء من مقولة الكيف ومن قسم الكيفيات النفسانية منه .
فالحياة : قوة تتبع اعتدال المزاج النوعي لتفيض منها سائر القوى .
A E والموت : كيفية عدمية هو عدم الحياة عما شأنه أن يوصف بالحياة أو الموت أي زوال الحياة عن الحي فبين الحياة والموت تقابل العدم والملكة
