ومعنى خلق الحياة : خلق الحي لأن قوام الحي هو الحياة ففي خلقه خلق ما به قوامه وأما معنى خلق الموت فإيجاد أسبابه وإلا فإن الموت عدم لا يتعلق به الخلق بالمعنى الحقيقي ولكنه لما كان عرضا للمخلوق عبر عن حصوله بالخلق تبعا كما في قوله تعالى ( والله خلقكم وما تعملون ) .
وأيضا لأن الموت تصرف في الموجود القادر الذي من شأنه أن يدفع عن نفسه ما يكرهه . والموت مكروه لكل حي فكانت الإماتة مظهرا عظيما من مظاهر القدرة لأن فيها تجلي وصف القاهر .
فأما الإحياء فهو من مظاهر وصف القادر ولكن مع وصفه المنعم .
فمعنى القدرة في الإماتة أظهر وأقوى لأن القهر ضرب من القدرة .
ومعنى القدرة في الإحياء خفي بسبب أمرين بدقة الصنع وذلك من آثار صفة العلم وبنعمة كمال الجنس وذلك من آثار صفة الإنعام . وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى ( وكنتم أمواتا فأحياكم ) في سورة البقرة .
وفي ذكرهما تخلص إلى ما يترتب عليهما من الآثار التي أعظمها العمل في الحياة والجزاء عليه بعد الموت وذلك ما تضمنه قوله ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) فإن معنى الابتلاء مشعر بترتب أثر له وهو الجزاء على العمل للتذكير بحكمة جعل هذين الناموسين البديعين في الحيوان لتظهر حكمة خلق الإنسان ويفضيا به إلى الوجود الخالد كما أشار إليه قوله تعالى ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) .
وهذا التعليل من قبيل الإدماج .
وفيه استدلال على الوحدانية بدلالة في أنفسهم قال تعالى ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) .
والمعنى : أنه خلق الموت والحياة ليكون منكم أحياء يعملون الصالحات والسيئات ثم أمواتا يخلصون إلى يوم الجزاء فيجزون على أعمالهم بما يناسبها .
فالتعريف في ( الموت ) و ( الحياة ) تعريف الجنس . وفي الكلام تقدير : هو الذي خلق الموت والحياة لتحيوا فيبلوكم أيكم أحسن عملا وتموت فتجزوا على حسب تلك البلوى ولكون هذا هو المقصود الأهم من هذا الكلام قدم الموت على الحياة .
وجملة ( ليبلوكم ) إلى آخرها معترضة بين الموصولين .
واللام في ( ليبلوكم ) لام التعليل أي في خلق الموت والحياة حكمة أن يبلوكم . الخ .
وتعليل فعل بعلة لا يقتضي انحصار علله في العلة المذكورة فإن الفعل الواحد تكون له علل متعددة فيذكر منها ما يستدعيه المقام فقوله تعالى ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) تعليل لفعل ( خلق ) باعتبار المعطوف على مفعوله وهو ( والحياة ) لأن حياة الإنسان حياة خاصة تصحح للموصوف بمن قامت به الإدراك الخاص الذي يندفع به إلى العمل باختياره وذلك العمل هو الذي يوصف بالحسن والقبح وهو ما دل عليه بالمنطوق والمفهوم قوله تعالى ( أيكم أحسن عملا ) أي وأيكم أقبح عملا .
ولذلك فذكر خلق الموت إتمام للاستدلال على دقيق الصنع الإلهي وهو المسوق له الكلام وذكر خلق الحياة إدماج للتذكير وهو من أغراض السورة .
ولا أشك في أن بناء هذا العالم على ناموس الموت والحياة له حكمة عظيمة يعسر على الإفهام الاطلاع عليها .
والبلوى : الاختبار وهي هنا مستعارة للعلم أي ليعلم علم ظهور أو مستعارة لإظهار الأمر الخفي فجعل إظهار الشيء الخفي شبيها بالاختبار .
وجملة ( أيكم أحسن عملا ) مرتبطة ب ( يبلوكم ) .
و ( أي ) اسم استفهام ورفعه يعين أنه مبتدأ وأنه غير معمول للفظ قبله فوجب بيان موقع هذه الجملة وفيه وجهان : أحدهما قول الفراء والزجاج والزمخشري في تفسير أول سورة هود أن جملة الاستفهام سادة مسد المفعول الثاني وأن فعل ( يبلوكم ) المضمن معنى ( يعلمكم ) معلق عن العمل في المفعول الثاني وليس وجود المفعول الأول مانعا من تعليق الفعل عن العمل في المفعول الثاني وأن لم يكن كثيرا في الكلام .
والوجه الثاني أن تكون الجملة واقعة في محل المفعول الثاني ليبلوكم أي تؤول الجملة بمعنى مفرد تقديره : ليعلمكم أهذا الفريق أحسن عملا أم الفريق الآخر .
A E وهذا مختار صاحب الكشاف في تفسير هذه الآية . ومبناه على أن تعليق أفعال العلم عن العمل لا يستقيم إلا إذا لم يذكر للفعل مفعول فإذا ذكر مفعول لم يصح تعليق الفعل عن المفعول الثاني وحاصله : أن التقدير ليعلم الذين يقال في حقهم ( أيهم أحسن عملا ) على نحو قوله تعالى ( ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا ) " أي لننزعن الذين يقال فيهم : أيهم أشد "
