وجوز صاحب التقريب أن يكون التقدير : ليعلم جواب سؤال سائل : أيكم أحسن عملا .
قلت : ولك أن تجعل جملة ( أيكم أحسن عملا ) مستأنفة وتجعل الوقف على قوله ( ليبلوكم ) ويكون الاستفهام مستعملا في التحضيض على حسن العمل كما هو في قول طرفة : .
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد فجعل الاستفهام تحضيضا .
و ( أحسن ) تفضيل أي أحسن عملا من غيره فالأعمال الحسنة متفاوتة في الحسن إلى أدناها فأما الأعمال السيئة فإنها مفهومة بدلالة الفحوى لأن البلوى في أحسن الأعمال تقتضي البلوى في السيئات بالأولى لأن إحصاءها والإحاطة بها أولى في الجزاء لما يترتب عليها من الاجتراء على الشارع ومن الفساد في النفس وفي نظام العالم وذلك أولى بالعقاب عليه ففي قوله ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) إيجاز .
وجملة ( وهو العزيز الغفور ) تذييل لجملة ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) إشارة إلى صفاته تعالى تقتضي تعلقا بمتعلقاتها لئلا تكون معطلة في بعض الأحوال والأزمان فيفضي ذلك إلى نقائضها . فأما العزيز فهو الغالب الذي لا يعجز عن شيء وذكره مناسب للجزاء المستفاد من قوله ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) كما تقدم آنفا أي ليجزيكم جزاء العزيز فعلم أن المراد الجزاء على المخالفات والنكول عن الطاعة . وهذا حظ المشركين الذين شملهم ضمير الخطاب في قوله ( ليبلوكم ) .
وأما الغفور فهو الذي يكرم أولياءه ويصفح عن فلتاتهم فهو مناسب للجزاء على الطاعات وكناية عنه قال تعالى ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) فهو إشارة إلى حظ أهل الصلاح من المخاطبين .
( الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفوت فارجع البصر هل ترى من فطور [ 3 ] ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير [ 4 ] ) صفة ثانية للذي بيده الملك أعقب التذكير بتصرف الله بخلق الإنسان وأهم أعراضه بذكر خلق أعظم الموجودات غير الإنسان وهي السماوات ومفيدة وصفا من عظيم صفات الأفعال الإلهية ولذلك أعيد فيها اسم الموصول لتكون الجمل الثلاث جارية على طريقة واحدة .
والسماوات تكرر ذكرها في القرآن . والظاهر أن المراد بها الكواكب التي هي مجموع النظام الشمسي ما عدا الأرض . كما تقدم عند قوله تعالى ( فسواهن سبع سماوات ) في سورة البقرة فإنها هي المشاهدة بأعين المخاطبين فالاستدلال بها استدلال بالمحسوس .
والطباق يجوز أن يكون مصدر طابق وصفت به السماوات للمبالغة أي شديدة المطابقة أي مناسبة بعضها لبعض في النظام .
ويجوز أن تكون ( طباقا ) جمع طبق والطبق المساوي في حالة ما ومنهم قولهم في المثل " وافق شن طبقة " .
والمعنى : أنها مرتفع بعضها فوق بعض في الفضاء السحيق أو المعنى : أنها متماثلة في بعض الصفات مثل التكوير والتحرك المنتظم في أنفسها وفي تحرك كل واحدة منها بالنسبة إلى تحرك بقيتها بحيث لا ترتطم ولا يتداخل سيرها .
وليس في قوله ( طباقا ) ما يقتضي أن بعضها مظروف لبعض لأن ذلك ليس من مفاد مادة الطباق " فلا تكن طباقاء " .
وجاءت جملة ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) تقريرا لقوله ( خلق سبع سماوات طباقا ) .
فإن نفي التفاوت يحقق معنى التطابق أي التماثل . والمعنى : ما ترى في خلق الله السماوات تفاوتا . وأصل الكلام : ما ترى فيهن ولا في خلق الرحمن من تفاوت فعبر بخلق الرحمن لتكون الجملة تذييلا لمضمون جملة ( خلق سبع سماوات طباقا ) لأن انتفاء التفاوت عما خلقه الله متحقق في خلق السماوات وغيرها أي كانت السماوات طباقا لأنها من خلق الرحمن وليس فيما خلق الرحمن من تفاوت ومن ذلك نظام السماوات .
والتفاوت بوزن التفاعل : شدة الفوت والفوت : البعد وليست صيغة التفاعل فيه لحصول فعل من جانبين ولكنها مفيدة للمبالغة .
ويقال : تفوت الأمر أيضا وقيل : إن تفوت بمعنى حصل فيه عيب .
A E وقرأ الجمهور ( من تفاوت ) وقرأه حمزة والكسائي وخلف ( من تفوت ) بتشديد الواو دون ألف بعد الفاء وهي مرسومة في المصحف بدون ألف كما هو كثير في رسم الفتحات المشبعة .
وهو هنا مستعار للتخالف وانعدام التناسق لأن عدم المناسبة يشبه البعد بين الشيئين تشبيه معقول بمحسوس
