والخطاب لغير معين أي لا ترى أيها الرائي تفاوتا .
والمقصود منه التعريض بأهل الشرك إذ أضاعوا النظر والاستدلال بما يدل على وحدانية الله تعالى بما تشاهده أبصارهم من نظام الكواكب وذلك ممكن لكل من يبصر قال تعالى ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناهها وما لها من فروج ) فكأنه قال : ما ترون في خلق الرحمن من تفاوت فيجوز أن يكون ( خلق الرحمن ) بمعنى المفعول كما في قوله تعالى ( هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ) ويراد منه السماوات والمعنى : ما ترى في السماوات من تفاوت فيكون العدول عن الضمير لتتأتى الإضافة إلى اسمه ( الرحمن ) المشعر بأن تلك المخلوقات فيها رحمة بالناس كما سيأتي .
ويجوز أن يكون ( خلق ) مصدرا فيشمل خلق السماوات وخلق غيرها فإن صنع الله رحمة للناس لو استقاموا كما صنع لهم وأوصاهم فتفيد هذه الجملة مفاد التذييل في أثناء الكلام على وجه الاعتراض ولا يكون إظهارا في مقام الإضمار .
والتعبير بوصف ( الرحمن ) دون اسم الجلالة إيماء إلى أن هذا النظام مما اقتضته رحمته بالناس لتجري أمورهم على حالة تلائم نظام عيشهم لأنه لو كان فيما خلق الله تفاوت لكان ذلك التفاوت سببا لاختلال النظام فيتعرض الناس بذلك لأهوال ومشاق قال تعالى ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ) وقال ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) .
وأيضا في ذلك الوصف تورك على المشركين إذ أنكروا اسمه تعالى ( الرحمن ) ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ) .
وفرع عليه قوله ( فارجع البصر ) الخ . والتفريع للتسبب أي انتفاء رؤية التفاوت جعل سببا للأمر بالنظر ليكون نفي التفاوت معلوما عن يقين دون تقليد للمخبر .
ورجع البصر : تكريره والرجع : العود إلى الموضع الذي يجاء منه وفعل : رجع يكون قاصرا ومتعديا إلى مفعول بمعنى : أرجع فأرجع هنا فعل أمر دون رجع المتعدي .
والرجع يقتضي سبق حلول بالموضع فالمعنى : أعد النظر وهو النظر الذي دل عليه قوله ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) أي أعد رؤية السماوات وأنها لا تفاوت فيها إعادة تحقيق وتبصر كما يقال : أعد نظرا .
والخطاب في قوله ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) وقوله ( فارجع البصر ) الخ . خطاب لغير معين : وصيغة الأمر مستعملة في الإرشاد للمشركين مع دلالته على الوجوب للمسلمين فإن النظر في أدلة الصفات واجب لمن عرض له داع إلى الاستدلال .
والبصر مستعمل في حقيقته . والمراد به البصر المصحوب بالتفكر والاعتبار بدلالة الموجودات على موجدها .
وهذا يتصل بمسألة إيمان المقلد وما اختلف فيه من الرواية عن الشيخ أبي الحسن الأشعري .
والاستفهام في ( هل ترى من فطور ) تقريري ووقع ب ( هل ) لأن هل تفيد تأكيد الاستفهام إذ هي بمعنى " قد " في الاستفهام وفي ذلك تأكيد وحث على التبصر والتأمل أي لا تقنع بنظرة ونظرتين فتقول : لم أجد فطورا بل كرر النظر وعاوده باحثا عن مصادفة فطور لعلك تجده .
والفطور : جمع فطر بفتح الفاء وسكون الطاء وهو الشق والصدع أي لا يسعك إلا أن تعترف بانتفاء الفطور في نظام السماوات فتراها ملتئمة محبوكة لا ترى في خلالها انشقاقا ولذلك كان انفطار السماء وانشقاقها علامة على انقراض هذا العالم ونظامه الشمسي قال تعالى ( وفتحت السماء فكانت أبوابا ) ( إذا السماء انشقت ) ( إذا السماء انفطرت ) .
وعطف ( ثم ارجع البصر كرتين ) دال على التراخي الرتبي كما هو شأن ( ثم ) في عطف الجمل فإن مضمون الجملة المعطوفة ب ( ثم ) هنا أهم وأدخل في الغرض من مضمون الجملة المعطوف عليها لأن إعادة النظر تزيد العلم بانتفاء التفاوت في الخلق رسوخا ويقينا .
A E