و ( كرتين ) تثنية كرة وهي المرة وعبر عنها هنا بالكرة مشتقة من الكر وهو العود لأنها عود إلى شيء بعد الانفصال عنه ككرة المقاتل يحمل على العدو بعد أن يفر فرارا مصنوعا . وإيثار لفظ كرتين في هذه الآية دون مرادفة نحو مرتين وتارتين لأن كلمة كرة لم يغلب إطلاقا على عدد الاثنين فكان إيثارها في مقام لا يراد فيه اثنين أظهر في أنها مستعملة في مطلق التكرير دون عدد اثنين أو زوج وهذا من خصائص الإعجاز ألا ترى أن مقام إرادة عدد الزوج كان مقتضيا تثنية مرة في قوله تعالى ( الطلاق مرتان ) لأن أظهر في إرادة العدد إذ لفظ مرة أكثر تداولا .
وتثنية ( كرتين ) ليس المراد بها عدد الاثنين الذي هو ضعف الواحد إذ لا يتعلق غرض بخصوص هذا العدد وإنما التثنية مستعملة كناية عن مطلق التكرير فإن من استعمالات صيغة التثنية في الكلام أن يراد بها التكرير وذلك كما في قولهم " لبيك وسعديك يريدون تلبيات كثيرة وإسعادا كثيرا وقولهم : دواليك ومنه المثل " دهدرين سعد القين " " الدهدر الباطل أي باطلا على باطل أي أتيت يا سعد القين دهدرين وهو تثنية دهدر الدال مهملة في أوله مضمومة فهاء ساكنة فدال مهملة مضمومة فراء مشددة " . وأصله كلمة فارسية نقلها العرب وجعلوها بمعنى الباطل . وسبب النقل مختلف فيه وتثنيته مكنى بها عن مضاعفة الباطل وكانوا يقولون هذا المثل عند تكذيب الرجل صاحبه وأما سعد القين فهو اسم رجل كان قينا وكان يمر على الأحياء لصقل سيوفهم وإصلاح أسلحتهم فكان يشيع أنه راحل غدا ليسرع أهل الحي بجلب ما يحتاج للإصلاح فإذا أتوه بها أقام ولم يرحل فضرب به المثل في الكذب فكان هذا المثل جامعا لمثلين وقد ذكره الزمخشري في المستقصى والميداني في مجمع الأمثال وأطال .
وأصل استعمال التثنية في معنى التكرير أنهم اختصروا بالتثنية تعداد ذكر الاسم تعدادا مشيرا إلى التكثير .
وقريب من هذا القبيل قولهم : وقع كذا غير مرة أي مرات عديدة .
فمعنى ( ارجع البصر كرتين ) عاود التأمل في خلق السماوات وغيرها غير مرة . والانقلاب : الرجوع يقال : انقلب إلى أهله أي رجع إلى منزله قال تعالى ( وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين ) وإيثار فعل ( ينقلب ) هنا دون : يرجع لئلا يلتبس فعل ( ارجع ) المذكور قبله . وهذا من خصائص الإعجاز نظير إيثار كلمة ( كرتين ) كما ذكرناه آنفا .
والخاسئ : الخائب أي الذي لم يجد ما يطلبه . وتقدم عند قوله تعالى ( قال اخسأوا فيها ) في سورة المؤمنين .
والحسير : الكليل وهو كلل ناشئ عن قوة التأمل والتحديق مع التكرير أي يرجع البصر غير واجد ما أغري بالحرص على رؤيته بعد أن أدام التأمل والفحص حتى عيي وكل أي لا تجد بعد اللأي فطورا في خلق الله .
( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلنها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير [ 5 ] ) انتقل من دلائل انتفاء الخلل عن خلقه السماوات إلى بيان ما في إحدى السماوات من إتقان الصنع فهو مما شمله عموم الإتقان في خلق السماوات السبع وذكره من ذم بعض أفراد العام كذكر المثال بعد القاعدة الكلية فدقائق السماء الدنيا أوضح دلالة على إتقان الصنع لكنها نصب أعين المخاطبين ولأن من بعضها يحصل تخلص إلى التحذير من حيل الشياطين وسوء عواقب أتباعهم . وتأكيد الخبر ب ( قد ) لأنه إلى أنه نتيجة الاستفهام التقريري المؤكد ب ( هل ) أخت ( قد ) في الاستفهام .
والكلام على السماء الدنيا ولماذا وصفت بالدنيا وعن الكواكب تقدم في أول سورة الصافات .
وسميت النجوم هنا مصابيح على التشبيه على حسن المنظر فهو تشبيه بليغ .
وذكر التزيين إدماج للامتنان في أثناء الاستدلال أي زيناها لكم مثل الامتنان في قوله ( ولكم فيها جمال ) في سورة النحل .
والمقصد : التخلص إلى ذكر رجم الشياطين ليتخلص منه إلى وعيدهم ووعيد متبعيهم .
وعدل عن تعريف ( مصابيح ) باللام إلى تنكيره لما يفيده التنكير من التعظيم .
والرجوم : جمع رجم وهو اسم لما يرجم به أي ما يرمي به الرامي من حجر ونحوه تسمية للمفعول بالمصدر مثل الخلق بمعنى المخلوق في قوله تعالى ( هذا خلق الله ) .
والذي جعل رجوما للشياطين هو بعض النجوم التي تبدو مضيئة ثم تلوح منقظة وتسمى الشهب ومضى القول عليها في سورة الصافات
