A E وضمير الغائبة في ( جعلناها ) المتبادر أنه عائد إلى المصابيح أي أن المصابيح رجوم للشياطين .
ومعنى جعل المصابيح رجوما جار على طريقة إسناد عمل بعض الشيء إلى جميعه مثل إسناد الأعمال إلى القبائل لأن العاملين من أفراد القبيلة كقوله تعالى ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) وقول العرب : قتلت هذيل رضيع بني ليث تمام بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب .
وجعل بعض المفسرين الضمير المنصوب في ( جعلناها ) عائد إلى ( السماء الدنيا ) على تقدير : وجعلنا منها رجوما إما على حذف حرف الجر . وإما على تنزيل المكان الذي صدر منه الرجوم منزلة نفس الرجوم فهو مجاز عقلي ومنه قوله تعالى ( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ) في سورة البقرة ولكنها على جعل الضمير المنصوب راجعا إلى القرية وإن لم تذكر في تلك الآية ولكنها ذكرت في آية سورة الأعراف ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ) وقصتها هي المشار إليها بقوله ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ) فالتقدير : فجعلنا منها أي من القرية نكالا وهم القوم الذين قيل لهم ( كونوا قردة خاسئين ) .
والشياطين هي التي تسترق السمع فتطردها الشهب كما تقدم في سورة الصافات .
وأصل ( اعتدنا ) أعددنا أي هيأنا قلبت الدال الأولى تاء لتقارب مخرجيها ليأتي الإدغام طلبا للخفة .
والسعير : اسم صيغ على مثال فعيل بمعنى مفعول من : سعر النار إذا أوقدها وهو لهب النار أي أعددنا للشياطين عذاب طبقة أشد طبقات النار حرارة وتوقدا فإن جهنم طبقات .
وكان السعير عذابا لشياطين الجن مع كونهم من عنصر النار لأن نار جهنم أشد من نار طبعهم فإذا أصابتهم صارت لهم عذابا .
وتسمية عذابهم السعير دون النار أو جهنم مراد لهذا المعنى ومثله قوله تعالى في عذاب الجن ( ومن يزغ منه عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ) وقال ( إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) يعني الشيطان .
ومعنى الإعداد يحتمل أنه إعداد تقدير وإيجاد فلا يقتضي أن تكون جهنم مخلوقة قبل يوم القيامة ويحتمل أنه إعداد استعمال فتكون جهنم مخلوقة حين نزول الآية وقد اختلف علماؤنا في أن النار موجودة أو توجد يوم الجزاء إذ لا دليل في الكتاب والسنة على أحد الاحتمالين وإنما دعاهم إلى فرض هذه المسألة تأويل بعض الآيات والأحاديث .
( وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير [ 6 ] ) هذا تتميم لئلا يتوهم أن العذاب أعد للشياطين خاصة والمعنى : ولجميع الذين كفروا بالله عذاب جهنم فالمراد عامة المشركين ولأجل ما في الجملة من زيادة الفائدة غايرت الجملة التي قبلها فلذلك عطفت عليها .
وتقديم المجرور للاهتمام بتعلقه بالمسند إليه والمبادرة به .
وجملة ( وبئس المصير ) حال أو معترضة لإنشاء الذم وحذف المخصوص بالذم لدلالة ما قبل ( بئس ) عليه . والتقدير : وبئس المصير عذاب جهنم .
والمعنى : بئست جهنم مصيرا للذين كفروا .
( إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور [ 7 ] تكاد تميز من الغيظ ) الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان ذم مصيرهم في جهنم أي من جملة مذام مصيرهم مذمة ما يسمعونه فيها من أصوات مؤلمة مخيفة .
و ( إذا ) ظرف متعلق ب ( سمعوا ) يدل على الاقتران بين زمن الإلقاء وزمن سماع الشهيق .
والشهيق : تردد الأنفاس في الصدر لا تستطيع الصعود لبكاء ونحوه أطلق على صوت التهاب نار جهنم الشهيق نفضيعا له لأن قوله ( سمعوا لها ) يقتضي أن الشهيق شهيقا لأن أصل اللام أن تكون لشبه الملك .
وجملة ( وهي تفور ) حال من ضمير ( فيها ) وتفور : تغلي وترتفع ألسنة لهيبها .
و ( الغيظ ) أشد الغضب . وقوله ( تكاد تميز من الغيظ ) خبر ثان عن ضمير ( وهي ) مثلت حالة فورانها وتصاعد ألسنة لهيبها ورطمها ما فيها والتهام من يلقون إليها بحال مغتاظ شديد الغيظ لا يترك شيئا مما غاظه إلا سلط عليه ما يستطيع من الأضرار .
واستعمل المركب الدال على الهيئة المشبه بها مع مرادفاته كقولهم : يكاد فلان يتميز غيظا ويتقصف غضبا أي يكاد تتفرق أجزاءه فيتميز بعضها عن بعض وهذا من التمثيلية المكنية وقد وضحناها في تفسير قوله تعالى ( أولئك على هدى من ربهم ) في سورة البقرة