ونظير هذه الاستعارة قوله تعالى ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينفض ) في سورة الكهف إذ مثل الجدار بشخص له إرادة .
A E و ( تميز ) أصله تمييز أي تنفصل أي تتجزأ أجزاء تخييلا لشدة الاضطراب بأن أجزاءها قاربت أن تتقطع وهذا كقولهم : غضب فلان فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء .
( كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير [ 8 ] قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلل كبير [ 9 ] ) أتبع وصف ما يجده أهل النار عند إلقائهم فيها من فضائع أهوالها بوصف ما يتلقاهم به خزنة النار .
فالجملة استئناف بياني أثاره وصف النار عند إلقاء أهل النار فيها إذ يتساءل السامع عن سبب عن وقوع أهل النار فيها فجاء بيانه بأنه تكذيبهم رسل الله الذين أرسل إليهم مع ما انضم إلى من وصف ندامة أهل النار على ما فرط منهم من تكذيب رسل الله وعلى إهمالهم النظر في دعوة الرسل والتدبر فيما جاءهم به .
و ( كلما ) مركب من ( كل ) اسم دال على الشمول ومن ( ما ) الظرفية المصدرية وهو حرف يؤول مع الفعل الذي بعده بمصدره .
والتقدير : في كل وقت إلقاء فوج يسألهم خزنتها الفوج .
وباتصال ( كل ) بحرف ( ما ) المصدرية الظرفية اكتسب التركيب معنى الشرط وشابه أدوات الشرط في الاحتياج إلى جملتين مرتبة إحداهما على الأخرى .
وجيء بفعلي ( ألقى ) و ( سألهم ) ماضيين لأن أكثر ما يقع الفعل بعد ( كلما ) أن يكون بصيغة المضي بأنها لما شابهت الشرط استوى الماضي والمضارع معها لظهور أنه للزمن المستقبل فأوثر فعل المضي لأنه أخف .
والفوج : الجماعة أي جماعة ممن حق عليهم الخلود وتقدم عند قوله تعالى ( ويوم نحشر من كل أمة فوجا ) في سورة النمل .
وجيء بالضمائر العائدة إلى الفوج ضمائر جمع في قوله ( سألهم ) الخ . لتأويل الفوج بجماعة أفراده كما في قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) .
وخزنة النار : الملائكة الموكل إليهم أمر جهنم وهو جمع خازن للموكل بالحفظ وأصل الخازن : الذي يخزن شيئا أي يحفظه في مكان حصين فإطلاقه على الموكلين مجاز مرسل .
وجملة ( ألم يأتكم نذير ) بيان لجملة سألهم كقوله ( فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ) .
والاستفهام في ( ألم يأتكم نذير ) للتوبيخ والتنديم ليزيدهم حسرة .
والنذير : المنذر أي رسول منذر بعقاب الله وهو مصوغ على غير قياس كما صيغ بمعنى المسمع السميع في قول عمرو بن معد يكرب : أمن ريحانة الداعي السميع .
والمراد أفواج أهل النار من جميع الأمم التي أرسلت إليهم الرسل فتكون جملة ( كلما ألقي فيها فوج ) الخ بمعنى التذليل .
وجملة ( قالوا بلى قد جاءنا نذير ) معترضة بين كلام خزنة جهنم اعتراضا يشير إلى أن الفوج قاطع كلام الخزنة بتعجيل الاعتراف بما وبخوهم عليه وذلك من شدة الخوف .
وفصلت الجملة لوجهين لأنها اعتراض ولوقوعها في سياق المحاورة كما تقدم غير مرة كقوله تعالى ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ) في سورة البقرة . وكان جوابهم جواب المتحسر المتندم فابتدأوا الجواب دفعة بحرف ( بلى ) المفيد نفيض النفي في الاستفهام فهو مفيد معنى : جاءنا نذير . ولذلك كان قولهم ( قد جاءنا نذير ) مؤكدا لما دلت عليه ( بلى ) وهو من تكرير الكلام عند التحسر مع زيادة التحقيق ب ( قد ) وذلك التأكيد هو مناط الندامة والاعتراف بالخطا .
وجملة ( إن أنتم إلا في ضلال كبير ) الأظهر أنها بقية كلام خزنة جهنم فصل بينها وبين ما سبقها من كلامهم اعتراض جواب الفوج الموجه إليهم الاستفهام التوبيخي كما ذكرناه آنفا ويؤيد هذا إعادة فعل القول في حكاية بقية كلام الفوج في قوله تعالى ( وقالوا لو كنا نسمع ) الخ لانقطاعه بالاعتراض الواقع خلال حكايته
