ويجوز أن تكون جملة ( إن أنتم إلا في ضلال كبير ) من تمام كلام كل فوج لنذيرهم . وأوتي بضمير جمع المخاطبين مع إن لكل قوم رسولا واحدا في الغالب باستثناء موسى وهارون وباستثناء رسل أصحاب القرية المذكورة في سورة يس أما على اعتبار الحكاية بالمعنى بأن جمع كلام جميع الأفواج في عبارة واحدة فجيء بضمير الجمع والمراد التوزيع على الأفواج أي قال جميع الأفواج : ( بلى قد جاءنا نذير ) إلى قوله ( إن أنتم إلا في ضلال كبير ) على طريقة المثال المشهور " ركب القوم دوابهم " وأما على إرادة شمول الضمير للنذير وأتباعه الذين يؤمنون بما جاء به .
A E وعموم ( شيء ) في قوله ( ما نزل الله من شيء ) والمراد منه شيء من التنزيل يدل على أنهم كانوا يحيلون أن ينزل الله وحيا على بشر وهذه شنشنة أهل الكفر قال تعالى ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ) قد تقدم في آخر الأنعام .
ووصف الضلال ب ( كبير ) معناه شديد بالغ غاية ما يبلغ إليه جنسه حتى كأنه جسم كبير .
ومعنى القصر لمستفاد من النفي والاستثناء ( إن أنتم إلا في ضلال كبير ) قصر قلب أي ما حالكم التي أنتم متلبسون بها إلا الضلال وليس الوحي الإلهي والهدى كما تزعمون .
والظرفية مجازية لتشبيههم تمحضهم للضلال بإحاطة الظرف بالمظروف .
( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحب السعير [ 10 ] ) أعيد فعل القول للإشارة إلى أن هذا كلام آخر غير الذي وقع جوابا على سؤال خزنة جهنم وإنما هذا قول قالوه في مجامعهم في النار تحسرا وتندما أي وقال بعضهم لبعض في النار فهو من قبيل قوله تعالى ( حتى إذا اداركوا فيها جميعا قال أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا ) الخ . لتأكيد الإخبار على حسب الوجهين المتقدمين في موقع جملة ( إن أنتم إلا في ضلال كبير ) .
وذكروا ما يدل على انتفاء السمع والعقل عنهم في الدنيا وهم يريدون سمعا خاصا وعقلا خاصا فانتفاء السمع بإعراضهم عن تلقي دعوة الرسل مثل ما حكى الله عن المشركين ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ) وانتفاء العقل بترك التدبر في آيات الرسل ودلائل صدقهم فيما يدعون إليه .
ولا شك أن أقل الناس عقلا المشركون لأنهم طرحوا ما هو سبب نجاتهم لغير معارض يعارضه في دينهم إذ ليس في دين أهل الشرك وعيد على ما يخالف الشرك من معتقدات ولا على ما يخالف أعمال أهله من الأعمال فكان حكم العقل قاضيا بأن يتلقوا ما يدعوهم إليه الرسل من الإنذار للامتثال إذ لا معارض له في دينهم لولا الإلف والتكبر بخلاف حال أهل الأديان اتباع الرسل الذين كانوا على دين فهم يخشون إن أهملوه أن لا يغني عنهم الدين الجديد شيئا فكانوا إلى المعذرة أقرب لولا أن الأدلة بعضها أقوى من بعض .
وذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى ( أم تأمرهم أحلامهم بهذا ) من سورة الطور عن كتاب الحكيم الترمذي إنه أخرج حديثا " إن رجلا قال : يا رسول الله ما أعقل فلانا النصراني فقال النبي A : مه إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا من أصحاب السعير ) قال وفي حديث ابن عمر فزجره النبي A وقال : " مه إن العاقل من يعمل بطاعة الله " ولم أقف عليه فيما رأيت من كتب التفسير ولم يذكره السيوطي في التفسير بالمأثور في سورة الطور ولا في سورة الملك .
ويؤخذ في هذه الآية أن أقوام الصلاح في حسن التلقي وحسن النظر وأن الأثر والنظر أي القياس هما أصلا الهدى ومن العجيب ما ذكره صاحب الكشاف : إن من المفسرين من قال : أن المراد من الآية لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي . ولم أقف على تعيين من فسر الآية بهذا و لا أحسبه إلا من قبيل الاسترواح .
و ( أو ) للتقسيم وهو تقسيم باعتبار نوعي الأحوال التي تقتضي حسن الاستماع تارة إذا ألقي إليها إرشاد وحسن التفهم والنظر تارة إذا دعيت إلى النظر من داع غير أنفسها أو من دواعي أنفسها قال تعالى ( فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب )
