ووجه تقديم السمع على العقل بمنزلة الكلي والسمع بمنزلة الجزئي ورعيا للترتيب الطبيعي لأن سمع دعوة النذير هو أول ما يتلقاه المنذرون ثم يعملون عقولهم في التدبير فيها .
( فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحب السعير [ 11 ] ) الفاء الأولى فصيحة والتقدير : إذ قالوا ذلك إذ تبين أنهم اعترفوا هنالك بذنبهم أي فهم محقوقون بما هم فيه من العذاب .
والسحق : اسم مصدر معناه البعد وهو هنا نائب عن الإسحاق لأنه دعاء بالإبعاد فهو مفعول مطلق نائب عن فعله أي أسحقهم الله إسحاقا ويجوز أن يراد من هذا الدعاء التعجب من حالهم كما يقال : قاتله الله وويل له في مقام التعجب .
A E والفاء الثانية للتسبب أي فهم جديرون بالدعاء عليهم بالإبعاد أو جديرون بالتعجب من بعدهم عن الحق أو عن رحمة الله تعالى . ويحتمل أيضا أن يقال لهم يوم الحساب عقب اعترافهم تنديما يزيدهم ألما في نفوسهم فوق ألم الحريق في جلودهم .
واللام الداخلة على ( سحقا ) لام التقوية إن جعل ( سحقا ) داء عليهم بالإبعاد لأن المصدر فرع في العمل في الفعل ويجوز أن يكون اللام لام التبيين لآياته تعلق العامل بمعموله كقولهم : شكرا لك فكل من ( سحقا ) واللام المتعلقة به مستعمل في معنييه .
و ( أصحاب السعير ) يعم المخاطبين بالقرآن وغيرهم فكان هذا الدعاء بمنزلة التذييل لما فيه من العموم تبعا للجمل التي قبله .
وقرأ الجمهور ( فسحقا ) بسكون الحاء . وقرأه الكسائي وأبو جعفر بضم الحاء وهو لغة فيه وذلك لاتباع ضمة السين .
( إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير [ 12 ] ) اعتراض يفيد استئنافا بيانيا جاء على سنن أساليب القرآن من تعقيب الرهبة بالرغبة فلما ذكر ما أعد للكافرين المعرضين عن خشية الله أعقبه بما أعد للذين يخشون ربهم بالغيب من المغفرة والثواب للعلم بأنهم يترقبون ما يميزهم عن أحوال المشركين .
وقدم المغفرة تطمينا لقلوبهم لأنهم يخشون المؤاخذة على ما فرط منهم من الكفر قبل الإسلام ومن اللمم ونحوه ثم أعقبت بالبشارة بالأجر العظيم فكان الكلام جاريا على قانون تقديم التخلية أو تقديم دفع الضر على جلب النفع والوصف بالكبير بمعنى العظيم نظير ما تقدم آنفا في قوله ( ان أنتم إلا في ضلال كبير ) .
وتنكير ( مغفرة ) للتعظيم بقرينة مقارنته ب ( أجر كبير ) وبقرينة التقديم وتقديم المسند على المسند إليه في جملة ( لهم مغفرة ) ليأتي تنكير المبتدأ ولإفادة الاهتمام وللرعاية على الفاصلة وهي نكت كثيرة .
( وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور [ 13 ] ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [ 14 ] ) عطف على الجملة السابقة عطف غرض على غرض وهو انتقال إلى غرض آخر لمناسبة حكاية أقوالهم في الآخرة بذكر أقوالهم في الدنيا وهي الأقوال التي كانت تصدر منهم بالنيل من رسول الله A فكان الله يطلعهم على أقوالهم فيخبرهم النبي A بأنكم قلتم كذا وكذا فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم كي لا يسمعه رب محمد فأنزل الله ( وأسروا قولكم أو اجهروا به ) كذا روي عن ابن عباس .
وصيغة الأمر في ( أسروا ) و ( اجهروا ) مستعملة في التسوية كقوله تعالى ( اصبروا أو لا تصبروا ) وهذا غالب أحوال صيغة افعل إذا جاءت معها ( أو ) عاطفة نقيض أحد الفعلين على نقيضه .
فنقول ( إنه عليم بذات الصدور ) تعليل للتسوية المستفادة من صيغة الأمر بقرينة المقام وسبب النزول أي فسواء في علم الله الإسرار والإجهار لأن علمه محيط بما يختلج في صدور الناس بله ما يسرون به من الكلام ولذلك جيء بوصف عليم إذ العليم من أمثلة المبالغة وهو القوي علمه .
وضمير ( إنه ) عائد إلى الله تعالى المعلوم من المقام ولا معاد في الكلام يعود إليه الضمير لأن الاسم الذي في جملة ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب ) لا يكون معادا لكلام آخر .
و ( ذات الصدور ) ما يتردد في النفس من الخواطر والتقادير والنوايا على الأعمال . وهو مركب من ( ذات ) التي هي مؤنث ( ذو ) بمعنى صاحب والصدور بمعنى العقول وشأن ( ذو ) أن يضاف إلى ما فيه رفعة