ضرب الله لهم مثلا بأمم من قبلهم كذبوا الرسل فأصابهم من الاستئصال ما قد علموا أخباره لعلهم أن يتعضوا بقياس التمثيل إن كانت عقولهم لم تبلغ درجة الانتفاع بأقيسة الاستنتاج فإن المشركين من العرب عرفوا آثار عاد وثمود وتناقلوا أخبار قوم نوح وقوم لوط وأصحاب الرس وفرع ( فكيف كان نكير ) استفهاما تقريريا وتنكيريا وهو كناية عن تحقيق وقوعه وأنه وقع في حال فظاعة .
وقد أكد الخبر باللام و ( قد ) لتنزيل المعرض بهم منزلة من يظن أن الله عاقب الذين من قبلهم لغير جرم أو لجرم غير التكذيب . فهو مفرع مؤكد فالمعنى : لقد كذب الذين من قبلهم ولقد كان نكيري عليهم بتلك الكيفية .
ونكير : أصله نكيري بالإضافة إلى ياء المتكلم المحذوفة تخفيفا كما في قوله ( فستعلمون كيف نذير ) والمعنى : كيف رأيتم أثر نكيري عليهم فاعلموا أن نكيري عليكم صائر بكم إلى مثل ما صار بهم نكيري عليهم .
والمراد بالنكير المنظر بنكير الله على الذين من قبلهم ما أفاده استفهام الإنكار في قوله ( آمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) وقوله ( أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ) .
( أولم يروا إلى الطير فوقهم صفت ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير [ 19 ] ) عطف على جملة ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ) استرسالا في الدلائل على انفراد الله تعالى بالتصرف في الموجودات وقد انتقل من دلالة أحوال البشر وعالمهم إلى دلالة أعجب أحوال العجماوات وهي أحوال الطير في نظام حركاتها في حال طيرانها إذ لا تمشي على الأرض كما هو في حركات غيرها على الأرض فحالها أقوى دلالة على عجيب صنع الله المنفرد به .
A E واشتمل التذكير بعجيب خلقة الطير في طيرانها على ضرب من الإطناب لأن الأوصاف الثلاثة المستفادة من قوله ( فوقهم صافات ويقبضن ) تصور صورة حركات الطيران للسامعين فتنبههم لدقائق ربما أغفلهم عن تدقيق النظر فيها نشأتهم بينها من وقت ذهول الإدراك في زمن الصبا فإن المرء التونسي أو المغربي مثلا إذا سافر إلى بلاد الهند أو إلى بلاد السودان فرأى الفيلة وهو مكتمل العقل دقيق التمييز أدرك من دقائق خلقة الفيل ما لا يدركه الرجل من أهل الهند الناشئ بين الفيلة وكم غفل الناس عن دقائق في المخلوقات من الحيوان والجماد ما لو تتبعوه لتجلى لهم منها ما يملأ وصفه الصحف قال تعالى ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ) وقال ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) .
وقد رأيت بعض من شاهد البحر وهو كبير ولم يكن شاهده من قبل كيف امتلكه من العجب ما ليس لأحد ممن ألفوه معشاره .
وهذا الإطناب في هذه السورة مخالف لما في نظير هذه الآية من سورة النحل في قوله ( ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ) . وذلك بحسب مقتضاه اختلاف المقامين فسورة النحل رابعة قبل سورة الملك فلما أوقظت عقولهم فيها للنظر إلى ما في خلقة الطير من الدلائل فلم يتفطنوا وسلك في هذه السورة مسلك الإطناب بزيادة ذكر أوصاف ثلاثة : فالوصف الأول : ما أفاده قوله ( فوقهم ) فإن جميع الدواب تمشي على الأرض والطير كذلك فإذا طار الطائر انتقل إلى حالة عجيبة مخالفة لبقية المخلوقات وهي السير في الجو بواسطة تحريك جناحيه ذلك سر قوله تعالى ( يطير بجناحيه ) بعد قوله ( ولا طائر ) في سورة الأنعام لقصد تصوير تلك الحالة
