وبين فائدة هذا البيان على هذا الأسلوب بقوله ( لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ) أي ليحصل للأمة تفكر وعلم في أمور الدنيا وأمور الآخرة لأن التفكر مظروف في الدنيا والآخرة فتقدير المضاف لازم بقرينة قوله والآخرة إذ لا معنى لوقوع التفكر يوم القيامة فلو اقتصر على بيان الحظر والوجوب والثواب والعقاب لكان بيانا للتفكر في أمور الآخرة خاصة ولو اقتصر على بيان المنافع والمضار بأن قيل : قل فيهما نفع وضر لكان بيانا للتفكر في أمور الدنيا خاصة ولكن ذكر المصالح والمفاسد والثواب والعقاب تذكير بمصلحتي الدارين وفي هذا تنويه بشأن إصلاح أمور الأمة في الدنيا ووقع في كلام لعلي بن أبي طالب وقد ذم رجل الدنيا عنده قال له " الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار نجاة لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها ومهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومسجد أنبيائه فمن ذا الذي يذمها وقد آذنت بينها الخ " .
ولا يخفى أن الذي يصلح للتفكر هو الحكم المنوط بالعلة وهو حكم الخمر والميسر ثم ما نشأ عنه قوله ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) .
ويجوز أن يكون الإشارة بقوله ( كذلك ) لكون الإنفاق من العفو وهو ضعيف لأن ذلك البيان لا يظهر فيه كمال الامتنان حتى يجعل نموذجا لجليل البيانات الإلهية وحتى يكون محل كمال الامتنان وحتى تكون غايته التفكر في الدنيا والآخرة ولا يعجبكم كونه أقرب لاسم الإشارة لأن التعلق بمثل هاته الأمور اللفظية في نكت الإعجاز إضاعة للألباب وتعلق بالقشور .
A E وقوله ( لعلكم تتفكرون ) غاية هذا البيان وحكمته والقول في لعل تقدم . وقوله ( في الدنيا والآخرة ) يتعلق تتفكرون لا ببين لأن البيان واقع في الدنيا فقط . والمعنى ليحصل لكم فكر أي علم في شئون الدنيا والآخرة وما سوى هذا تكلف .
( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم [ 220 ] ) عطف تبيين معاملة اليتامى على تبيين الإنفاق لتعلق الأمرين بحكم تحريم الميسر أو التنويه عنه فإن الميسر كان بابا واسعا للإنفاق على المحاويج وعلى اليتامى وقد ذكر لبيد إطعام اليتامى بعد ذكر إطعام لحوم جزور الميسر فقال : .
ويكللون إذا الرياح تناوحت ... خلجا تمد شوارعا أيتامها أي تمد أيديا كالرماح الشوارع في اليبس أي قلة اللحم على عظام الأيدي فكان تحريم الميسر مما يثير سؤالا عن سد هذا الباب على اليتامى وفيه صلاح عظيم لهم وكان ذلك السؤال مناسبة حسنة للتخلص إلى الوصاية باليتامى وذكر مجمل أحوالهم في جملة إصلاح الأحوال التي كانوا عليها قبل الإسلام فكان هذا وجه عطف هذه الجملة على التي قبلها بواو العطف لاتصال بعض هذه الأسئلة ببعض كما تقدم في قوله ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو )
