وقد روى أن السائل عن اليتامى عبد الله بن رواحة وأخرج أبو داود عن ابن عباس لما نزل قول الله D ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) الآيات انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكر ذلك لرسول الله فأنزل الله ( ويسألونك عن اليتامى ) الآية مع أن سورة النساء نزلت بعد سورة البقرة فلعل ذكر آية النساء وهم من الرواي وإنما أراد أنه لما نزلت الآيات المحذرة من مال اليتيم مثل آية سورة الإسراء ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) ففي تفسير الطبري يسنده إلى ابن عباس : لما نزلت ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) عزلوا أموال اليتامى فذكروا ذلك لرسول الله فنزلت ( وإن تخالطوهم ) أو أن مراد الرواي لم سمع الناس آية سورة النساء تجنبوا النظر في اليتامى فذكروا بآية البقرة إن كان السائل عن آية البقرة غير المتجنب حين نزول آية النساء وأياما كان فقد ثبت أن النظر في مصالح الأيتام من أهم مقاصد الشريعة في حفظ النظام فقد كان العرب في الجاهلية كسائر الأمم في حال البساطة يكون المال بيد كبير العائلة فقلما تجد لصغير مالا وكان جمهور أموالهم حاصلا من اكتسابهم لقلة أهل الثروة فيهم فكان جمهور العرب إما زارعا أو غارسا أو مغيرا أو صائدا وكل هذه الأعمال تنقطع بموت مباشريها فإذا مات كبير العائلة وترك أبناء صغارا لم يستطيعوا أن يكتسبوا كما اكتسب آباؤهم . إلا أبناء أهل الثروة والثروة عندهم هي الأنعام والحوائط إذ لم يكن العرب أهل ذهب وفضة وأن الأنعام لا تصلح إلا بمن يرعاها فإنها عروض زائلة وأن الغروس كذلك ولم يكن في ثروة العرب ملك الأرض إذ الأرض لم تكن مفيدة إلا للعامل فيها على أن من يتولى أمر اليتيم يستضعفه ويستحل ماله فينتفع به لنفسه وكرم العربي وسرفه وشربه وميسره لا تغادر له مالا وإن كثر .
وتغلب ذلك على ملاك شهوات أصحابه فلا يستطيعون تركه يدفعهم إلى تطلب إرضاء نعمتهم بكل وسيلة فلا جرم أن يصبح اليتيم بينهم فقيرا مدحورا وزد إلى ذلك أن أهل الجاهلية قد تأصل فيهم الكبر على الضعيف وتوقير القوي فلما عدم اليتيم ناصره ومن يذب عنه كان بحيث يعرض للمهانة والإضاعة ويتخذ كالعبد لوليه من أجل ذلك كله صار وصف اليتيم عندهم ملازما لمعنى الخصاصة والإهمال والذل وبه يظهر معنى امتنان الله تعالى على نبيه أن حفظه في حال اليتم مما ينال اليتامى في قوله ( ألم يجدك يتيما فآوى ) .
فلما جاء الإسلام أمرهم بإصلاح حال اليتامى في أموالهم وسائر أحوالهم حتى قيل إن أولياء اليتامى تركوا التصرف في أموالهم واعتزلوا اليتامى ومخالطتهم فنزلت هذه الآية .
A E والإصلاح جعل الشيء صالحا أي ذا صلاح والصلاح ضد الفساد وهو كون شيء بحيث يحصل به منتهى ما يطلب لأجله فصلاح الرجل صدور الأفعال والأقوال الحسنة منه وصلاح الثمرة كونها بحيث ينتفع بأكلها دون ضر وصلاح المال نماؤه المقصود منه وصلاح الحال كونها بحيث تترتب عليها الآثار الحسنة .
و ( إصلاح لهم ) مبتدأ ووصفه واللام للتعليل أو الاختصاص .
ووصف الإصلاح ب ( لهم ) دون الإضافة إذ لم يقل إصلاحهم لئلا يتوهم قصره على إصلاح ذواتهم لأن أصل إضافة المصدر أن تكون لذات الفاعل أو ذات المفعول فلا تكون على معنى الحرف ولأن الإضافة لما كانت من طرق التعريف كانت ظاهرة في عهد المضاف فعدل عنها لئلا يتوهم أن المراد إصلاح معين كما عدل عنها في قوله ( إيتوني بأخ لكم من أبيكم ) ولم يقل بأخيكم ليوهمهم أنه لم يرد أخا معهودا عنده والمقصود هنا جميع الإصلاح لا خصوص إصلاح ذواتهم فيشمل إصلاح ذواتهم وهو في الدرجة الأولى ويتضمن ذلك إصلاح عقائدهم وأخلاقهم بالتعليم الصحيح والآداب الإسلامية ومعرفة أحوال العالم ويتضمن إصلاح أمزجتهم بالمحافظة عليهم من المهلكات والأخطار والأمراض وبمداواتهم ودفع الأضرار عنهم بكفاية مؤنهم من الطعام واللباس والمسكن بحسب معتاد أمثالهم دون تقتير ولا سرف ويشمل إصلاح أموالهم بتنميتها وتعهدها وحفظها