ولقد أبدع هذا التعبير فإنه لو قيل إصلاحهم لتوهم قصره على ذواتهم فيحتاج في دلالة الآية على إصلاح الأموال إلى القياس ولو قيل قل تدبيرهم خير لتبادر إلى تدبير المال فاحتيج في دلالتها على إصلاح ذواتهم إلى فحوى الخطاب .
و ( خير ) في الآية يحتمل أن يكون أفعل تفضيل إن كان خطابا للذين حملهم الخوف من أكل أموال اليتامى على اعتزال أمورهم وترك التصرف في أموالهم بعلة الخوف من سوء التصرف فيها كما يقال : .
إن السلامة من سلمى وجارتها ... أن لا تحل على حال بواديها فالمعنى إصلاح أمورهم خير من إهمالهم أي أفضل ثوابا وأبعد عن العقاب أي خير في حصول غرضكم المقصود من إهمالهم فإنه ينجر منه إثم الإضاعة ولا يحصل فيه ثواب السعي والنصيحة ويحتمل أن يكون صفة مقابل الشر إن كان خطابا لتغيير الأحوال التي كانوا عليها قبل الإسلام فالمعنى إصلاحهم في أموالهم وأبدانهم وترك إضاعتهم في الأمرين كما تقدم خير وهو تعريض بأن ما كانوا عليه في معاملتهم ليس بخير بل هو شر فيكون مرادا من الآية على هذا : التشريع والتعريض إذ التعريض يجامع المعنى الأصلي لأنه من باب الكناية والكناية تقع مع إرادة المعنى الأصلي .
وجملة ( وإن تخالطوهم فإخوانكم ) عطف على جملة ( إصلاح لهم خير ) والمخالطة مفاعلة من الخلط وهو جمع الأشياء جمعا يتعذر معه تمييز بعضها عن بعض فيما تراد له فمنه خلط الماء بالماء والقمح بالشعير وخلط الناس ومنه اختلط الحابل بالنابل وهو هنا مجاز في شدة الملابسة والمصاحبة والمراد بذلك ما زاد على إصلاح المال والتربية عن بعد فيشمل المصاحبة والمشاركة والكفالة والمصاهرة إذ الكل من أنواع المخالطة .
وقوله ( فإخوانكم ) جواب الشرط ولذلك قرن بالفاء لأن الجملة الاسمية غير صالحة لمباشرة أداة الشرط ولذلك ف ( إخوانكم ) خبر مبتدأ محذوف تقديره فهم إخوانكم وهو على معنى التشبيه البليغ والمراد بالأخوة أخوة الإسلام التي تقتضي المشاورة والرفق والنصح . ونقل الفخر عن الفراء ( لو نصبته كان صوابا بتقدير فإخوانكم تخالطون ) وهو تقدير سمج ووجود الفاء في الجواب بنادي على أن الجواب جملة اسمية محضة وبعد فمحمل كلام الفراء على إرادة جواز تركيب مثله في الكلام العربي لا على أن يقرأ به ولعل الفراء كان جريئا على إساغة قراءة القرآن بما يسوغ في الكلام العربي دون اشتراط صحة الرواية .
والمقصود من هذه الجملة الحث على مخالطتهم لأنه لما جعلهم إخوانا كان من المتأكد مخالطتهم والوصاية بهم في هاته المخالطة لأنهم لما كانوا إخوانا وجب بذل النصح لهم كما يبذل للأخ وفي الحديث حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويتضمن ذلك التعريض بإبطال ما كانوا عليه من احتقار اليتامى والترفع عن مخالطتهم ومصاهرتهم . قال تعالى وترغبون أن تنكحوهن أي عن أن تنكحوهن لأن الأخوة تتضمن معنى المساواة فيبطل الترفع .
A E وقوله ( والله يعلم المفسد من المصلح ) وعد ووعيد لأن المقصود من الإخبار بعلم الله الإخبار بترتب آثار العلم عليه وفي هذا إشارة إلى أن ما فعله المسلمين من تجنب التصرف في أموال اليتامى تنزه لا طائل تحته لأن الله يعلم المتصرف بصلاح والمتصرف بغير صلاح وفيه أيضا ترضية لولاة الأيتام فيما ينالهم من كراهية بعض محاجيرهم وضربهم على أيديهم في التصرف المالي وما يلاقون في ذلك من الخصاصة فإن المقصد الأعظم هو إرضاء الله تعالى لا إرضاء المخلوقات وكان المسلمون يومئذ لا يهتمون إلا بمرضاة الله تعالى وكانوا يحاسبون أنفسهم على مقاصدهم وفي هذه إشارة إلى أنه ليس من المصلحة أن يعرض الناس عن النظر في أموال اليتامى اتقاء لألسنة السوء وتهمة الظن بالإثم فلو تمالأ الناس على ذلك وقاية لأعراضهم لضاعت اليتامى وليس هذا من شأن المسلمين فإن على الصلاح والفساد دلائل ووراء المتصرفين عدالة القضاة وولاة الأمور يجازون المصلح بالثناء والحمد العلن ويجازون المفسد بالبعد بينه وبين اليتامى وبالتغريم لما أفاته بدون نظر
