ويجوز أن يكون معنى خير الماكرين : أن الإملاء والاستدراج الذي يقدره للفجار والجبابرة والمنافقين الشبيه بالمكر في أنه حسن الظاهر سيئ العاقبة هو خير محض لا يترتب عليه إلا الصلاح العام وإن كان يؤذي شخصا أو أشخاصا فهو من هذه الجهة مجرد عما في المكر من القبح ولذلك كانت أفعاله تعالى منزهة عن الوصف بالقبح أو الشناعة لأنها لا تقارنها الأحوال التي بها تقبح بعض أفعال العباد ؛ من دلالة على سفاهة رأي أو سوء طوية أو جبن أو ضعف أو طمع أو نحو ذلك . أي فإن كان في المكر قبح فمكر الله خير محض ولك على هذا الوجه أن تجعل ( خير ) بمعنى التفضيل وبدونه .
( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيمة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون [ 55 ] فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين [ 56 ] وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين [ 57 ] ) استئناف ؛ و ( إذ ) ظرف غير متعلق بشيء أو متعلق بمحذوف أي اذكر إذ قال الله : كما تقدم في قوله ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) وهذا حكاية لأمر رفع المسيح وإخفائه عن أنظار أعدائه . وقدم الله في خطابه إعلامه بذلك استئناسا له إذ لم يتم ما يرغبه من هداية قومه . مع العلم بأنه يحب لقاء الله وتبشيرا له بأن الله مظهر دينه لأن غاية هم الرسول هو الهدى وإبلاغ الشريعة فلذلك قال له ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا ) والنداء فيه للاستئناس وفي الحديث أن رسول الله A قال " لا يقبض نبي حتى يخير " .
وقوله ( إني متوفيك ) ظاهر معناه : إني مميتك هذا هو معنى هذا الفعل في مواقع استعماله لأن أصل فعل توفى الشيء أنه قبضه تاما واستوفاه . فيقال : توفاه الله أي قدر موته ويقال : توفاه ملك الموت أي أنفذ إرادة الله بموته ويطلق التوفي على النوم مجازا بعلاقة المشابهة في نحو قوله تعالى ( وهو الذي يتوفاكم بالليل وقوله الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) . أي وأما التي تمت الموت المعروف فيميتها في منامها موتا شبيها بالموت التام كقوله ( هو الذي يتوفاكم بالليل ثم قال حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ) فالكل إماتة في التحقيق وإنما فصل بينهما العرف والاستعمال ولذلك فرع بالبيان بقوله ( فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) فالكلام منتظم غاية الانتظام وقد اشتبه نظمه على بعض الأفهام . وأصرح من هذه الآية آية المائدة ( فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ) لأنه دل على أنه قد توفى الوفاة المعروفة التي تحول بين المرء وبين علم ما يقع في الأرض وحملها على النوم بالنسبة لعيسى لا معنى له ؛ لأنه إذا أراد رفعه لم يلزم أن ينام ؛ ولأن النوم حينئذ وسيلة للرفع فلا ينبغي الاهتمام بذكره وترك ذكر المقصد فالقول بأنها بمعنى الرفع عن هذا العالم إيجاد معنى جديد للوفاة في اللغة بدون حجة ولذلك قال ابن عباس ووهب بن منبه : إنها وفاة موت وهو ظاهر قول مالك في جامع العتبية " قال مالك : مات عيسى وهو ابن إحدى وثلاثين سنة " قال ابن رشد في البيان والتحصيل " يحتمل أن قوله : مات وهو ابن ثلاث وثلاثين على الحقيقة لا على المجاز " .
A E