وقال الربيع : هي وفاة نوم رفعه الله في منامه وقال الحسن وجماعة : معناه إني قابضك من الأرض ومخلصك في السماء وقيل : متوفيك متقبل عملك . والذي دعاهم إلى تأويل معنى الوفاة ما ورد في الأحاديث الصحيحة : أن عيسى ينزل في آخر مدة الدنيا فأفهم أن له حياة خاصة أخص من حياة أرواح بقية الأنبياء التي هي حياة أخص من حياة بقية الأرواح ؛ فإن حياة الأرواح متفاوتة كما دل عليه حديث " أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر " . ورووا أن تأويل المعنى في هذه الآية أولى من تأويل الحديث في معنى حياته وفي نزوله فمنهم من تأول معنى الوفاة فجعله حيا بحياته الأولى ومنهم من أبقى الوفاة على ظاهرها وجعل حياته بحياة ثانية فقال وهب بن منبه : توفاه الله ثلاث ساعات ورفعه فيها ثم أحياه عنده في السماء وقال بعضهم : توفي سبع ساعات . وسكت ابن عباس ومالك عن تعيين كيفية ذلك ولقد وفقا وسددا . ويجوز أن تكون حياته كحياة سائر الأنبياء وأن يكون نزوله إن حمل على ظاهره بعثا له قبل إبان البعث على وجه الخصوصية وقد جاء التعبير عن نزوله بلفظ " يبعث الله عيسى فيقتل الدجال " رواه مسلم عن عبد الله ابن عمر ولا يموت بعد ذلك بل يخلص من هنالك إلى الآخرة .
وقد قيل في تأويله : إن عطف ( ورافعك إلي ) على التقديم والتأخير ؛ إذ الواو لا تفيد ترتيب الزمان أي إني رافعك إلي ثم متوفيك بعد ذلك وليس في الكلام دلالة على أنه يموت في آخر الدهر سوى أن في حديث أبي هريرة في كتاب أبي داود " ويمكث " أي عيسى " أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون " والوجه أن يحمل قوله تعالى ( إني متوفيك ) على حقيقته وهو الظاهر وأن تؤول الأخبار التي يفيد ظاهرها أنه حي على معنى حياة كرامة عند الله كحياة الشهداء وأقوى وأنه إذا حمل نزوله على ظاهره دون تأويل أن ذلك يقوم مقام البعث وأن قوله في حديث أبي هريرة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون مدرج من أبي هريرة لأنه لم يروه غيره ممن رووا حديث نزول عيسى وهم جمع من الصحابة والروايات مختلفة وغير صريحة . ولم يتعرض القرآن في عد مزاياه إلى أنه ينزل في آخر الزمان .
والتطهير في قوله ( ومطهرك ) مجازي بمعنى العصمة والتنزيه ؛ لأن طهارة عيسى هي هي ولكن لو سلط عليه أعداؤه لكان ذلك إهانة له .
وحذف متعلق ( كفروا ) لظهوره أي الذين كفروا بك وهم اليهود لأن اليهود ما كفروا بالله بل كفروا برسالة عيسى لأن عيسى لم يبعث لغيرهم فتطهيره لا يظن أنه تطهير من المشركين بقرينة السياق .
والفوقية في قوله ( فوق الذين كفروا ) بمعنى الظهور والانتصار وهي فوقية دنيوية بدليل قوله ( إلى يوم القيامة ) .
والمراد بالذين اتبعوه : الحواريون ومن اتبعه بعد ذلك إلى أن نسخت شريعته بمجيء محمد A .
وجملة ( ثم إلي مرجعكم ) عطف على جملة ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا ) إذ مضمون كلتا الجملتين من شأن جزاء الله متبعي عيسى والكافرين به وثم للتراخي الرتبي ؛ لأن الجزاء الحاصل عند مرجع الناس إلى الله يوم القيامة مع ما يقارنه من الحكم بين الفريقين فيما اختلفوا فيه أعظم درجة وأهم من جعل متبعي عيسى فوق الذين كفروا في الدنيا .
والظاهر أن هذه الجملة مما خاطب الله به عيسى وأن ضمير مرجعكم وما معه من ضمائر المخاطبين عائد إلى عيسى والذين اتبعوه والذين كفروا به .
ويجوز أن يكون خطابا للنبي A والمسلمين فتكون ثم للانتقال من غرض إلى غرض زيادة على التراخي الرتبي والتراخي الزمني .
والمرجع مصدر ميمي معناه الرجوع . وحقيقة الرجوع غير مستقيمة هنا فتعين أنه رجوع مجازي فيجوز أن يكون المراد به البعث للحساب بعد الموت وإطلاقة على هذا المعنى كثير في القرآن بلفظه وبمرادفه نحو المصير ويجوز أن يكون مرادا به انتهاء إمهال الله إياهم في أجل أراده فينفذ فيهم مراده في الدنيا .
ويجوز الجمع بين المعنيين باستعمال اللفظ في مجازيه وهو المناسب لجمع العذابين في قوله ( فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ) وعلى الوجهين يجري تفسير حكم الله بينهم فيما هم فيه يختلفون .
وقوله ( فأما الذين كفروا فأعذبهم إلى قوله فنوفيهم أجورهم ) تفصيل لما أجمل في قوله ( فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ) .
A E