وقوله ( فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ) المقصود من هذا الوعيد هو عذاب الآخرة لأنه وقع في حيز تفصيل الضمائر من قوله ( فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ) وإنما يكون ذلك في الآخرة فذكر عذاب الدنيا هنا إدماج . فإن كان هذا مما خاطب الله عيسى فهو مستعمل في صريح معناه وإن كان كلاما من الله في القرآن خوطب به النبي A والمسلمون صح أن يكون مرادا منه أيضا التعريض بالمشركين في ظلمهم محمدا A عن مكابرة منهم وحسد . وتقدم تفسير إسناد المحبة إلى الله عند قوله قل إن كنتم تحبون الله في هذه السورة .
وجملة ( ما لهم من ناصرين ) تذييل لجملة ( أعذبهم عذاب شديدا في الدنيا والآخرة ) أي ولا يجدون ناصرين ينصرونهم في تعذيبهم الذي قدره الله تعالى .
واعلم أن قوله ( فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ) قضية جزئية لا تقتضي استمرار العذابين : فأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام أحوال الدنيا : من شدة وضعف وعدم استمرار فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه انتفاء الناصرين في المدة التي قدرها الله لتعذيبهم في الدنيا وهذا متفاوت وقد وجد اليهود ناصرين في بعض الأزمان مثل قصة أستير في الماضي وقضية فلسطين في هذا العصر .
وأما عذاب الآخرة : فهو مطلق هنا ومقيد في آيات كثيرة بالتأييد كما قال ( وما هم بخارجين من النار ) .
وجملة ( والله لا يحب الظالمين ) تذييل للتفصيل كله فهي تذييل ثاني لجملة ( فأعذبهم عذابا شديدا ) بصريح معناها أي أعذبهم لأنهم ظالمون والله لا يحب الظالمين وتذييل لجملة ( وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) إلى آخرها بكناية معناها ؛ لأن انتفاء محبة الله الظالمين يستلزم أنه يحب الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلذلك يعطيهم ثوابهم وافيا .
ومعنى كونهم ظالمين أنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وظلم الله النصارى بأن نقصوه بإثبات ولد له وظلموا عيسى بأن نسبوه ابنا لله تعالى وظلمه اليهود بتكذيبهم إياه وأذاهم .
وعذاب الدنيا هو زوال الملك وضرب الذلة والمسكنة والجزية والتشريد في الأقطار وكونهم يعيشون تبعا للناس وعذاب الآخرة هو جهنم . ومعنى ( ومالهم من ناصرين ) أنهم لا يجدون ناصرا يدفع عنهم ذلك وإن حاوله لم يظفر به وأسند ( فنوفيهم ) إلى نون العظمة تنبيها على عظمة مفعول هذا الفاعل ؛ إذ العظيم يعطي عظيما . والتقدير ( فنوفيهم أجورهم في الدنيا والآخرة ) بدليل مقابله في ضدهم من قوله ( فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ) وتوفية الأجور في الدنيا تظهر في أمور كثيرة : منها رضا الله عنهم وبركاته معهم والحياة الطيبة وحسن الذكر . وجملة ( والله لا يحب الظالمين ) تذييل وفيها اكتفاء : أي ويحب الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
وقرأ الجمهور : فنوفيهم بالنون وقرأه حفص عن عاصم ورويس عن يعقوب فيوفيهم بياء الغائب على الالتفات .
( ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم [ 58 ] ) تذييل : فإن الآيات والذكر أعم من الذي تلي هنا واسم الإشارة إلى الكلام السابق من قوله تعالى ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه ) وتذكير اسم الإشارة لتأويل المشار إليه بالكلام أو المذكور . وجملة نتلوه حال من اسم الإشارة على حد ( وهذا بعلي شيخا ) وهو استعمال عربي فصيح وإن خالف في صحة مجيء الحال من اسم الإشارة بعض النحاة .
وقوله ( من الآيات ) خبر ( ذلك ) أي إن تلاوة ذلك عليك من آيات صدقك في دعوى الرسالة ؛ فإنك لم تكن تعلم ذلك وهو ذكر وموعظة للناس وهذا أحسن من جعل نتلوه خبرا عن المبتدأ ومن وجوه أخرى . والحكيم بمعنى المحكم أو هو مجاز عقلي أي الحكيم عالمه أو تاليه .
( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [ 59 ] الحق من ربك فلا تكن من الممترين [ 60 ] ) A E