ومعنى ( فنجعل لعنة الله ) فندع بإيقاع اللعنة على الكاذبين . وهذا الدعاء إلى المباهلة إلجاء لهم إلى أن يعترفوا بالحق أو يكفوا . روى المفسرون وأهل السيرة أن وفد نجران لما دعاهم رسول الله A إلى الملاعنة قال لهم العاقب : نلاعنه فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح أبدا ولا عقبنا من بعدنا فلم يجيبوا إلى المباهلة وعدلوا إلى المصالحة كما سيأتي .
وهذه المباهلة لعلها من طرق التناصف عند النصارى فدعاهم إليها النبي A لإقامة الحجة عليهم .
وإنما جمع في الملاعنة الأبناء والنساء : لأنه لما ظهرت مكابرتهم في الحق وحب الدنيا علم أن من هذه صفته يكون أهله ونساؤه أحب إليه من الحق كما قال شعيب ( أرهطي أعز عليكم من الله ) وأنه يخشى سوء العيش وفقدان الأهل ولا يخشى عذاب الآخرة .
والظاهر أن المراد بضمير المتكلم المشارك أنه عائد إلى النبي A ومن معه من المسلمين والذين يحضرهم لذلك وأبناء أهل الوفد ونساؤهم اللائي كن معهم .
والنساء : الأزواج لا محالة وهو إطلاق معروف عند العرب إذا أضيف لفظ النساء إلى واحد أو جماعة دون ما إذا ورد غير مضاف قال تعالى ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ) وقال ( ونساء المؤمنين ) وقال النابغة : .
حذارا على أن لا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا والأنفس أنفس المتكلمين وأنفس المخاطبين أي وإيانا وإياكم وأما الأبناء فيحتمل أن المراد شبانهم ويحتمل أنه يشمل الصبيان والمقصود أن تعود عليهم آثار الملاعنة .
والابتهال افتعال من البهل وهو اللعن يقال : بهله الله بمعنى لعنه واللعنة بهلة وبهلة بالضم والفتح ثم استعمل الابتهال مجازا مشهورا في مطلق الدعاء قال الأعشى : .
لا تقعدن وقد أكلتها حطبا ... تعوذ من شرها يوما وتبتهل وهو المراد هنا بدليل أنه فرع عليه قوله ( فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) .
وهذه دعوة إنصاف لا يدعو لها إلا واثق بأنه على الحق . وهذه المباهلة لم تقع لأن نصارى نجران لم يستجيبوا إليها . وقد روى أبو نعيم في الدلائل أن النبي هيأ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ليصحبهم معه للمباهلة . ولم يذكروا فيه إحضار نسائه ولا إحضار بعض المسلمين .
( إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم [ 62 ] فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين [ 63 ] ) جملة ( إن هذا لهو القصص الحق ) وما عطف عليها بالواو اعتراض لبيان ما اقتضاه قوله ( الكاذبين ) لأنهم نفوا أن يكون عيسى عبد الله وزعموا أنه غلب فإثبات أنه عبد هو الحق .
واسم الإشارة راجع إلى ما ذكر من نفي الإلهية عن عيسى .
والضمير في قوله ( لهو القصص ) ضمير فصل ودخلت عليه لام الابتداء لزيادة التقوية التي أفادها ضمير الفصل ؛ لأن اللام وحدها مفيدة تقوية الخبر وضمير الفصل يفيد القصر أي هذا القصص لا ما تقصه كتب النصارى وعقائدهم .
والقصص بفتح القاف والصاد اسم لما يقص يقال : قص الخبر قصا إذا أخبر به والقص أخص من الإخبار ؛ فإن القص إخبار بخبر فيه طول وتفصيل وتسمى الحادثة التي من شأنها أن يخبر بها قصة بكسر القاف أي مقصوصة أي مما يقصها القصاص ويقال للذي ينتصب لتحديث الناس بأخبار الماضين قصاص بفتح القاف . فالقصص اسم لما يقص : قال تعالى ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) وقيل : هو اسم مصدر وليس هو مصدرا ومن جرى على لسانه من أهل اللغة أنه مصدر فذلك تسامح من تسامح الأقدمين فالقص بالإدغام مصدر والقصص بالفك اسم للمصدر واسم للخبر المقصوص .
وقوله ( وما من إله إلا الله ) تأكيد لحقية هذا القصص . ودخلت من الزائدة بعد حرف النفي تنصيصا على قصد نفي الجنس لتدل الجملة على التوحيد ونفي الشريك بالصراحة ودلالة المطابقة وأن ليس المراد نفي الوحدة عن غير الله فيوهم أنه قد يكون إلاهان أو أكثر في شق آخر وإن كان هذا يؤول إلى نفي الشريك لكن بدلالة الالتزام .
A E