وقوله ( وإن الله لهو العزيز الحكيم ) فيه ما في قوله ( إن هذا لهو القصص الحق ) فأفاد تقوية الخبر عن الله تعالى بالعزة والحكم والمقصود إبطال إلهية المسيح على حسب اعتقاد المخاطبين من النصارى فإنهم زعموا أنه قتله اليهود وذلك ذلة وعجز لا يلتئمان مع الإلهية فكيف يكون إله وهو غير عزيز وهو محكوم عليه وهو أيضا لإبطال لإلهيته على اعتقادنا ؛ لأنه كان محتاجا لإنقاذه من أيدي الظالمين .
وجملة ( فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين ) عطف على قوله ( فقل تعالوا ) وهذا تسجيل عليهم إذ نكصوا عن المباهلة وقد علم بذلك أنهم قصدوا المكابرة ولم يتطلبوا الحق روي أنهم لما أبوا المباهلة قال لهم النبي A " فإن أبيتم فأسلموا " فأبوا فقال " فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد " فأبوا فقال لهم " فإني أنبذ إليكم على سواء " أي أترك لكم العهد الذي بيننا فقالوا : " ما لنا طاقة بحرب العرب ولكنا نصالحك على ألا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة حمراء ألفا في صفر وألفا في رجب وثلاثين درعا عادية من حديد " وطلبوا منه أن يبعث معهم رجلا أمينا يحكم بينهم فقال : لأبعثن معكم أمينا حق أمين فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح Bه ولم أقف على ما دعاهم إلى طلب أمين ولا على مقدار المدة التي مكث فيها أبو عبيدة بينهم .
( قل يا أهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [ 64 ] ) رجوع إلى المجادلة بعد انقطاعها بالدعاء إلى المباهلة بعث عليه الحرص على إيمانهم وإشارة إلى شيء من زيغ أهل الكتابين عن حقيقة إسلام الوجه لله كما تقدم بيانه . وقد جيء في هذه المجادلة بحجة لا يجدون عنها موئلا وهي دعوتهم إلى تخصيص الله بالعبادة ونبذ عقيدة إشراك غيره في الإلهية . فجملة ( قل يأهل الكتاب ) بمنزلة التأكيد لجملة ( فقل تعالوا ندع أبناءنا ) لأن مدلول الأولى احتجاج عليهم بضعف ثقتهم بأحقية اعتقادهم ومدلول هذه احتجاج عليهم بصحة عقيدة الإسلام ولذلك لم تعطف هذه الجملة . والمراد بأهل الكتاب هنا النصارى : لأنهم هم الذين اتخذوا المخلوق ربا وعبدوه مع الله .
وتعالوا هنا مستعملة في طلب الاجتماع على كلمة سواء وهو تمثيل : جعلت الكلمة المجتمع عليها بشبه المكان المراد الاجتماع عنده . وتقدم الكلام على ( تعالوا ) قريبا .
والكلمة هنا أطلقت على الكلام الوجيز كما في قوله تعالى ( كلا إنها كلمة هو قائلها ) .
وسواء هنا اسم مصدر الاستواء قيل بمعنى العدل وقيل بمعنى قصد لا شطط فيها وهذان يكونان من قولهم : مكان سواء وسوى وسوى بمعنى متوسط قال تعالى ( فرآه في سواء الجحيم ) . وقال ابن عطية : بمعنى ما يستوي فيه جميع الناس فإن اتخاذ بعضهم بعضا أربابا لا يكون على استواء حال وهو قول حسن . وعلى كل معنى فالسواء غير مؤنث وصف به ( كلمة ) وهو لفظ مؤنث لأن الوصف بالمصدر واسم المصدر لا مطابقة فيه .
و ( ألا نعبد ) بدل من ( كلمة ) وقال جماعة : هو بدل من سواء ورده ابن هشام في النوع الثاني من الجهة السادسة من جهات قواعد الإعراب من مغني اللبيب واعترضه الدمامينى وغيره .
والحق أنه مردود من جهة مراعاة الاصطلاح لا من جهة المعنى ؛ لأن سواء وصف لكلمة وألا نعبد لو جعل بدلا من سواء آل إلى كونه في قوة الوصف لكلمة ولا يحسن وصف كلمة به .
وضمير بيننا عائد على معلوم من المقام : وهو النبي A والمسلمون ولذلك جاء بعده ( فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) .
ويستفاد من قوله ( ألا نعبد إلا الله ) إلا آخره التعريض بالذين عبدوا المسيح كلهم .
A E