وقوله ( فإن تولوا ) جيء في هذا الشرط بحرف إن لأن التولي بعد نهوض هذه الحجة وما قبلها من الأدلة غريب الوقوع فالمقام مشتمل على ما هو صالح لاقتلاع حصول هذا الشرط فصار فعل الشرط من شأنه أن يكون نادر الوقوع مفروضا وذلك من مواقع ( إن ) الشرطية فإن كان ذلك منهم فقد صاروا بحيث يؤيس من إسلامهم فأعرضوا عنهم وأمسكوا أنتم بإسلامكم وأشهدوهم أنكم على إسلامكم . ومعنى هذا الإشهاد التسجيل عليهم لئلا يظهروا إعراض المسلمين عن الاسترسال في محاجتهم في صورة العجز والتسليم بأحقية ما عليه أهل الكتاب فهذا معنى الإشهاد عليهم بأنا مسلمون .
( يا أهل الكتب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون [ 65 ] ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [ 66 ] ) استئناف ابتدائي للانتقال من دعائهم لكلمة الحق الجامعة لحق الدين إلى الإنكار عليهم محاجتهم الباطلة للمسلمين في دين إبراهيم وزعم كل فريق منهم أنهم على دينه توصلا إلى أن الذي خلف دينهم لا يكون على دين إبراهيم كما يدعي النبي محمد A فالمحاجة فرع عن المخالفة في الدعوى . وهذه المحاجة عن طريق قياس المساواة في النفي أو محاجتهم النبي في دعواه أنه على دين إبراهيم محاجة يقصدون منها إبطال مساواة دينه لدين إبراهيم بطريقة قياس المساواة في النفي أيضا .
فيجوز أن تكون هذه الجملة من مقول القول المأمور به الرسول في قوله تعالى ( قل يأهل الكتاب تعالوا ) أي قل لهم : يا أهل الكتاب لم تحاجون . ويجوز أن يكون الاستئناف من كلام الله تعالى عقب أمره الرسول بأن يقول ( تعالوا ) فيكون توجيه خطاب إلى أهل الكتاب مباشرة ويكون جعل الجملة الأولى من مقول الرسول دون هذه لأن الأولى من شؤون الدعوة وهذه من طرق المحاجة وإبطال قولهم وذلك في الدرجة الثانية من الدعوة . والكل في النسبة إلى الله سواء .
ومناسبة الانتقال من الكلام السابق إلى هذا الكلام نشأت من قوله ( فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) لأنه قد شاع فيما نزل من القرآن في مكة وبعدها أن الإسلام الذي جاء به محمد عليه السلام يرجع إلى الحنيفية دين إبراهيم كما تقدم تقريره في سورة البقرة وكما في سورة النحل ( ثم أؤحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) وسيجيء أن إبراهيم كان حنيفا مسلما وقد اشتهر هذا وأعلن بين المشركين في مكة وبين اليهود في المدينة وبين النصارى في وفد نجران وقد علم أن المشركين بمكة كانوا يدعون أنهم ورثة شريعة إبراهيم وسدنة بيته وكان أهل الكتاب قد ادعوا أنهم على دين إبراهيم ولم يتبين لي أكان ذلك منهم ادعاء قديما أم كانوا قد تفطنوا إليه من دعوة محمد A فاستيقظوا لتقليده في ذلك أم كانوا قالوا ذلك على وجه الإفحام للرسول حين حاجهم بأن دينه الحق وأن الدين عند الله الإسلام فألجئوه إلى أحد أمرين : إما أن تكون الزيادة على دين إبراهيم غير مخرجة عن اتباعه فهو مشترك الإلزام في دين اليهودية والنصرانية وإما أن تكون مخرجة عن دين إبراهيم فلا يكون الإسلام تابعا لدين إبراهيم .
وأحسب أن ادعاءهم أنهم على ملة إبراهيم إنما انتحلوه لبث كل من الفريقين الدعوة إلى دينه بين العرب ولاسيما النصرانية ؛ فإن دعاتها كانوا يحاولون انتشارها بين العرب فلا يجدون شيئا يروج عندهم سوى أن يقولوا : إنها ملة إبراهيم ومن أجل ذلك اتبعت في بعض قبائل العرب وهنالك أخبار في أسباب النزول تثير هذه الاحتمالات : فروي أن وفد نجران قالوا للنبي A حين دعاهم إلى اتباع دينه : " على أي دين أنت قال : على ملة إبراهيم قالوا : فقد زدت فيه ما لم يكن فيه " فعلى هذه الرواية يكون المخاطب بأهل الكتاب هنا خصوص النصارى كالخطاب الذي قبله . وروي : أنه تنازعت اليهود ونصارى نجران بالمدينة عند النبي A فأدعى كل فريق أنه على دين إبراهيم دون الآخر فيكون الخطاب لأهل الكتاب كلهم من يهود ونصارى .
ولعل اختلاف المخاطبين هو الداعي لتكرير الخطاب .
A E
