ووقعت ما الاستفهامية بعد لام التعليل فيكون المسؤول عنه هو سبب المحاجة مجهول ؛ لأنه ليس من شأنه ان يعلم لأنه لا وجود له فلا يعلم فالاستفهام عنه كناية عن عدمه وهذا قريب من معنى الاستفهام الإنكاري وليس عينه .
وحذفت ألف ما الاستفهامية على ما هو الاستعمال فيها إذا وقعت مجرورة بحرف نحو ( عم يتساءلون ) وقول ابن معد يكرب : .
" علام تقول الرمح يثقل عاتقي والألفات التي تكتب في حروف الجر على صورة الياء . إذا جر بواحد من تلك الحروف ( ما ) هذه يكتبون الألف على صورة الألف : لأن ما صارت على حرف واحد فأشبهت جزء الكلمة فصارت الألفات كالتي في أواسط الكلمات .
وقوله ( في إبراهيم ) معناه في شيء من أحواله وظاهر أن المراد بذلك هنا دينه فهذا من تعليق الحكم بالذات والمراد حال من أحوال الذات يتعين من المقام كما تقدم في تفسير قوله تعالى ( إنما حرم عليكم الميتة ) في سورة البقرة .
و ( ها ) من قوله ( ها أنت ) تنبيه وأصل الكلام أنتم حاججتم وإنما يجيء مثل هذا التركيب في محل التعجب والتنكير والتنبيه ونحو ذلك ولذلك يؤكد غالبا باسم إشارة بعده فيقال ها أنا ذا وها أنتم أولاء أو هؤلاء .
و ( حاججتم ) خبر ( أنتم ) ولك أن تجعل جملة حاججتم حالا هي محل التعجيب باعتبار ما عطف عليها من قوله : ( فلم تحاجون ) : لأن الاستفهام فيه إنكاري فمعناه : فلا تحاجون .
وسيأتي بيان مثله في قوله تعالى ( ها أنتم أولاء تحبونهم ) .
وقوله ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) تكميل للحجة أي أن القرآن الذي هو من عند الله أثبت أنه ملة إبراهيم وأنتم لم تهتدوا لذلك لأنكم لا تعلمون وهذا كقوله في سورة البقرة ( أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ) .
( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين [ 67 ] ) نتيجة للاستدلال إذ قد تحصحص من الحجة الماضية أن اليهودية والنصرانية غير الحنيفية وأن موسى وعيسى عليهما السلام لم يخبرا بأنهما على الحنيفية فأنتج أن إبراهيم لم يكن على حال اليهودية أو النصرانية ؛ إذ لم يؤثر ذلك عن موسى ولا عيسى عليهما السلام فهذا سنده خلو كتبهم عن ادعاء ذلك . وكيف تكون اليهودية أو النصرانية من الحنيفية مع خلوها من فريضة الحج وقد جاء الإسلام بذكر فرضه لمن تمكن منه ومما يؤيد هذا ما ذكره ابن عطية في تفسير قوله تعالى في هذه السورة ( لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) عن عكرمة قال " لما نزلت الآية قال أهل الملل " قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون " فقال الله له : فحجهم يا محمد وأنزل الله : ( لله على الناس حج البيت ) الآية فحج المسلمون وقعد الكفار " . ثم تمم الله ذلك بقوله : وما كان من المشركين فأبطلت دعاوى الفرق الثلاث .
والحنيف تقدم عند قوله تعالى ( قل بل ملة إبراهيم حنيفا ) في سورة البقرة .
وقوله ( ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ) أفاد الاستدراك بعد نفي الضد حصرا لحال إبراهيم فيما يوافق أصول الإسلام ولذلك بين حنيفا بقوله ( مسلما ) لأنهم يعرفون معنى الحنيفية ولا يؤمنون بالإسلام فأعلمهم أن الإسلام هو الحنيفية وقال ( وما كان من المشركين ) فنفي عن إبراهيم موافقة اليهودية وموافقة النصرانية وموافقة المشركين وإنه كان مسلما فثبتت موافقة الإسلام وقد تقدم في سورة البقرة في مواضع أن إبراهيم سأل أن يكون مسلما وأن الله أمره أن يكون مسلما وأنه كان حنيفا وأن الإسلام الذي جاء به محمد A هو الذي جاء به إبراهيم ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) وكل ذلك لا يبقى شكا في أن الإسلام هو إسلام إبراهيم .
A E
