وقد بينت آنفا عند قوله تعالى ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ) الأصول الداخلة تحت معنى ( أسلمت وجهي لله ) فلنفرضها في معنى قول إبراهيم ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) فقد جاء إبراهيم بالتوحيد وأعلنه إعلانا لم يترك للشرك مسلكا إلى نفوس الغافلين وأقام هيكلا وهو الكعبة أول بيت وضع الناس وفرض حجه على الناس : ارتباطا بمغزاة وأعلن تمام العبودية لله تعالى بقوله ( ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ) وأخلص القول والعمل لله تعالى فقال ( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ) وتطلب الهدى بقوله ( ربنا واجعلنا مسلمين لك وأرنا مناسكنا وتب علينا ) وكسر الأصنام بيده ( فجعلهم جذاذا ) وأظهر الانقطاع لله بقوله ( الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين ) وتصدى للاحتجاج على الوحدانية وصفات الله ( قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قوله وحاجه قومه ) .
وعطف قوله ( وما كان من المشركين ) لييأس مشركو العرب من أن يكونوا على ملة إبراهيم وحتى لا يتوهم متوهم أن القصر المستفاد من قوله ( ولكن حنيفا مسلما ) قصر إضافي بالنسبة لليهودية والنصرانية حيث كان العرب يزعمون أنهم على ملة إبراهيم لكنهم مشركون .
( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين [ 68 ] ) استئناف ناشئ عن نفي اليهودية والنصرانية عن إبراهيم فليس اليهود ولا النصارى ولا المشركون بأولى الناس به وهذا يدل على أنهم كانوا يقولون : نحن أولى بدينكم .
و ( أولى ) اسم تفضيل أي أشد وليا أي قربا مشتق من ولي إذا صار وليا وعدي بالباء لتضمنه معنى الاتصال أي أخص الناس بإبراهيم وأقربهم منه . ومن المفسرين من جعل أولى هنا بمعنى أجدر فيضطر إلى تقدير مضاف قبل قوله ( بإبراهيم ) أي بدين إبراهيم .
والذين اتبعوا إبراهيم هم الذين اتبعوه في حياته : مثل لوط وإسماعيل وإسحاق ولا اعتداد بمحاولة الذين حاولوا اتباع الحنيفية ولم يهتدوا إليها مثل زيد بن عمرو بن نفيل وأمية ابن أبي الصلت وأبيه أبي الصلت وأبي قيس صرمة بن أبي أنس من بني النجار وقال النبي A " كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم " وهو لم يدرك الإسلام فالمعنى كاد أن يكون حنيفا وفي صحيح البخاري : أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينه فقال له : إنا أريد أن أكون على دينك فقال اليهودي : إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله قال زيد : أفر إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأنا أستطيع فهل تدلني على دين ليس فيه هذا ؟ قال : لا أعلمه إلا أن تكون حنيفا قال : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا لا يعبد إلا الله فخرج من عنده فلقي عالما من النصارى فقاوله مثل مقاولة اليهودي غير أن النصراني قال : أن تأخذ بنصيبك من لعنة الله فخرج من عنده وقد اتفقا له على دين إبراهيم فلم يزل رافعا يديه إلى السماء وقال : اللهم أشهد أنا على دين إبراهيم وهذه أمنية منه لا تصادف الواقع . وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر : قالت : رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قبل الإسلام مسندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول " يا معشر قريش ليس منكم على دين إبراهيم غيري " وفيه أن النبي A لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي A الوحي فقدمت إلى النبي سفرة فأبى زيد بن عمرو أن يأكل منها وقال : إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه وهذا توهم منه أن النبي A يفعل كما تفعل قريش . وأن زيدا كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول : الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله .
A E
