واسم الإشارة في قوله ( وهذا النبي ) مستعمل مجازا في المشتهر بوصف بين المخاطبين كقوله في الحديث " فجعل الفراش وهذه الدواب تقع في النار " فالإشارة استعملت في استحضار الدواب المعروفة بالتساقط على النار عند وقودها والنبي ليس بمشاهد للمخاطبين بالآية حينئذ ولا قصدت الإشارة إلى ذاته . ويجوز أن تكون الإشارة مستعملة في حضور التكلم باعتبار كون النبي هو الناطق بهذا الكلام فهو كقول الشاعر : " نجوت وهذا تحملين طليق " أي والمتكلم الذي تحملينه . والاسم الواقع بعد اسم الإشارة بدلا منه هو الذي يعين جهة الإشارة ما هي . وعطف النبي على الذين اتبعوا إبراهيم للاهتمام بع وفيه إيماء إلى أن متابعته إبراهيم عليه السلام ليست متابعة عامة فكون الإسلام من النيفية أنه موافق لها في أصولها . والمراد بالذين آمنوا المسلمون . فالمقصود معناه اللقبي فإن وصف الذين آمنوا صار لقبا لأمة محمد A ولذلك كثر خطابهم في القرآن بيا أيها الذين آمنوا .
ووجه كون هذا النبي والذين آمنوا أولى الناس بإبراهيم مثل الذين اتبعوه إنهم قد تخلقوا بأصول شرعه وعرفوا قدره وكانوا له لسان صدق دائبا بذكره فهؤلاء أحق به ممن انتسبوا إليه لكنهم نقضوا أصول شرعه وهم المشركون ومن الذين انتسبوا إليه وأنسوا ذكر شرعه وهم اليهود والنصارى ومن هذا المعنى قول النبي A لما سأل عن صوم اليهود يوم عاشوراء فقالوا : هو يوم نجى الله فيه موسى فقال " نحن أحق بموسى منهم " وصامه وأمر المسلمين بصومه .
وقوله ( والله ولي المؤمنين ) تذييل أي هؤلاء هم أولى الناس بإبراهيم والله ولي إبراهيم والذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ؛ لأن التذييل يشمل المذيل قطعا ثم يشمل غيره تكميلا كالعام على سبب خاص . وفي قوله ( والله ولي المؤمنين ) بعد قوله ( ما كان إبراهيم يهوديا ) تعريض بأن الذين لم يكن إبراهيم ليس منهم ليسوا بمؤمنين .
( ودت طائفة من أهل الكتب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون [ 69 ] ) استئناف مناسبته قوله ( فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وقوله إن أولى الناس بإبراهيم ) الخ . والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة ولذلك عبر عنهم بطائفة من أهل الكتاب لئلا يتوهم أنهم أهل الكتاب الذين كانت معهم في الآيات السابقة .
والمراد بالطائفة جماعة منهم من قريضة والنضير وقينقاع دعوا عمار بن ياسر ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان إلى الرجوع إلى الشرك .
وجملة ( لو يضلونكم ) مبينة لمضمون جملة ( ودت ) على طريقة الإجمال والتفصيل . فلو شرطية مستعملة في التمني مجازا لأن التمني من لوازم الشرط الامتناعي . وجواب لا شرط محذوف يدل عليه فعل ودت تقديره : لو يضلونكم لحصل مودودهم والتحقيق أن التمني عارض من عوارض لو الامتناعية في بعض المقامات . وليس هو معنى أصليا من معاني لو . وقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى ( يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ) في سورة البقرة .
وقوله ( لو يضلونكم ) أي ودوا إضلالكم وهو يحتمل أنهم ودوا أن يجعلوهم على غير هدى في نظر أهل الكتاب : أي يذبذبوهم ويحتما أن المراد الإضلال في نفس الأمر وإن كان ود أهل الكتاب أن يهودوهم . وعلى الوجهين يحتمل قوله تعالى ( وما يضلون إلا أنفسهم ) أن يكون معناه : إنهم إذا أضلوا الناس فقد صاروا هم أيضا ضالين ؛ لأن الإضلال ضلال وأن يكون معناه : إنهم كانوا من قبل ضالين برضاهم بالبقاء على دين منسوخ وقوله ( وما يشعرون ) يناسب الاحتمالين لأن العلم بالحالتين دقيق .
( يا أهل الكتب لم تكفرون بآيات الله وانتم تشهدون [ 70 ] يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون [ 72 ] ) A E