وتأكيد الكلام ب ( إن ) لتنزياهم منزلة من ينكر أن الفضل بيد الله ومن يحسب أن الفضل تبع لشهواتهم وجملة ( والله واسع عليم ) عطف على جملة أن الفضل بيد الله وهو لا يخفى عليه من هو أهل لنوال فضله .
و ( واسع ) اسم فاعل الموصوف بالسعة .
وحقيقة السعة امتداد فضاء الحيز من مكان أو ظرف امتدادا يكفي لإيواء ما يحويه ذلك الحيز بدون تزاحم ولا تداخل بين أجزاء المحوي يقال أرض واسعة وإناء واسع وثوب واسع ويطلق الاتساع وما يشتق منه على وفاء الشيء بالعمل الذي يعمله نوعه دون مشقة يقال : فلان واسع البال وواسع الصدر وواسع العطاء . وواسع الخلق فتدل على شدة أو كثرة ما يسند إليه أو يوصف به أو يتعلق به من أشياء ومعان وشاع ذلك حتى صار معنى ثانيا .
و ( واسع ) من صفات الله وأسمائه الحسنى وهو بالمعنى المجازي لا محالة لاستحالة المعنى الحقيقي في شأنه تعالى ومعنى هذا الاسم عدم تناهي التعلقات لصفاته ذات التعلق فهو واسع العلم واسع الرحمة واسع العطاء فسعة صفاته تعالى أنها لا حد لتعلقاتها فهو أحق الموجودات بوصف واسع لأنه الواسع المطلق .
وإسناد وصف واسع إلى اسمه تعالى إسناد مجازي أيضا لأن الواسع صفاته ولذلك يؤتى بعد هذا الوصف أو ما في معناه من فعل السعة بما يميز جهة السعة من تمييز نحو : وسع كل شيء علما ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما . فوصفه في هذه الآية بأنه واسه هو سعة الفضل لأنه وقع تذييلا لقوله : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
وأحسب أن وصف الله بصفة واسع في العربية من مبتكرات القرآن .
وقوله ( عليم ) صفة ثانية بقوة علمه أي كثرة متعلقات صفة علمه تعالى .
ووصفه بأنه عليم هنا لإفادة أنه عليم بمن يستأهل أن يؤتيه فضله ويدل على علمه بذلك ما يظهر من آثار إرادته وقدرته الجارية على وفق علمه متى ظهر للناس ما أودعه الله من فضائل في بعض خلقه قال تعالى ( الله أعلم حيث يضع رسالته ) .
وجملة ( يختص برحمته من يشاء ) بدل بعض من كل لجملة ( إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) فإن رحمته بعض مما هو فضله .
وجملة ( والله ذو الفضل العظيم ) تذييل وتقدم تفسير نظيره عند قوله تعالى ( والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) في سورة البقرة .
( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون [ 75 ] بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين [ 76 ] ) عطف على قوله ( وقالت طائفة من أهل الكتاب ) أو على قوله ( ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم ) عطف القصة على القصة والمناسبة بيان دخائل أحوال اليهود في معاملة المسلمين الناشئة عن حسدهم وفي انحرافهم عن ملة إبراهيم مع ادعائهم أنهم أولى الناس به فقد حكى في هذه الآية خيانة فريق منهم .
وقد ذكر الله هنا في أهل الكتاب فريقين : فريقا يؤدي الأمانة تعففا عن الخيانة وفريقا لا يؤدي الأمانة متعللين لإباحة الخيانة في دينهم قيل : ومن الفريق الأول عبد الله بن سلام ومن الفريق الثاني فنحاص بن عازوراء وكلاهما من يهود يثرب . والمقصود من الآية ذم الفريق الثاني إذ كان من دينهم في زعمهم إباحة الخون قال ( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) فلذلك كان المقصود هو قوله ( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده عليك ) الخ ولذلك طول الكلام فيه .
وإنما قدم عليه قوله ( ومن أهل الكتاب إن تأمنه بقنطار ) إنصافا لحق هذا الفريق لأن الإنصاف مما أشتهر به الإسلام وغذ كان في زعمهم أن دينهم يبيح لهم خيانة غيرهم فقد صار النعي عليهم والتعبير بهذا القول لازما لجميعهم أمينهم وخائنهم لأن الأمين حينئذ لا مزية له إلا في أنه ترك حقا يبيح له دينه أخذه فترفع عن ذلك كما يترفع المتغالي في المروءة عن بعض المباحات .
A E
