وتقديم المسند في قوله ( ومن أهل الكتاب ) في الموضعين للتعجيب من مضمون صلة المسند إليهما : ففي الأول للتعجيب من قوة الأمانة مع إمكان الخيانة ووجود العذر له في عادة أهل دينه والثاني للتعجيب من أن يكون الخون خلقا لمتبع كتاب من كتب الله ثم يزيد التعجيب عند قوله ( ذلك بأنهم قالوا ) فيكسب المسند إليهما زيادة عجب حال .
وعدي ( تأمنه ) مع إن مثله يتعدى بعلى كقوله ( هل آمنكم عليه ) لتضمينه معنى تعامله بقنطار ليشمل الأمانة بالوديعة والأمانة بالمعاملة على الاستيمان وقيل الباء فيه بمعنى على كقول أبي ذر أو عباس بن مرداس : .
" أرب يبول الثعلبان برأسه وهو محمل بعيد لأن الباء في البيت للظرفية كقوله تعالى ( ببطن مكة ) .
وقرأ الجمهور ( يؤده إليك ) بكسر الهاء من ( يؤده ) على الأصل في الضمائر .
وقرأه أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر : بإسكان هاء لا ضمير في ( يؤده ) فقال الزجاج : هذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بين لأن الهاء لا ينبغي أن تجزم وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تكسر في الوصل " هكذا نقله ابن عطية ومعناه أن جزم الجواب لا يظهر على هاء الضمير بل على آخر حرف من الفعل ولا يجوز تسكينها في الوصل كما في أكثر الآيات التي سكنوا فيها الهاء " . وقيل هو إجراء للوصل مجرى الوقف وهو قليل قال الزجاج : وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسر فغلط عليه من نقله وكلام الزجاج مردود لأنه راعى فيه لا مشهور من الاستعمال المقيس واللغة أوسع من ذلك والقرآن حجة . وقرأه هشام عن ابن عامر ويعقوب باختلاس الكسر .
وحكى القرطبي عن الفراء : أن مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرك ما قبلها يقولون ضربته كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصله لا رفع وهذا كما قال الراجز : .
لما رأى ألا دعه ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقف فاضطجع والقنطار تقدم آنفا في قوله تعالى ( والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ) .
والدينار اسم للمسكوك من الذهب الذي وزنه اثنتان وسبعون حبة من الشعير المتوسط وهو معرب دنار من الرومية .
وقد جعل القنطار والدينار مثلين للكثرة والقلة والمقصود ما يفيده الفحوى من أداء الأمانة فيما هو دون القنطار ووقوع الخيانة فيما هو فوق الدينار .
وقوله ( إلا ما دمت عليه قائما ) أطلق القيام هنا على الحرص والمواظبة : كقوله ( قائما بالقسط ) أي لا يفعل إلا العدل .
وعدي ( قائما ) بحرف ( على ) لأن القيام مجاز على الإلحاح والترداد فتعديته بحرف الاستعلاء قرينة وتجريد للاستعارة .
و ( ما ) من قوله ( إلا ما دمت عليه قائما ) حرف مصدري يصير الفعل بعده في تأويل مصدر ويكثر أن يقدر معها اسم زمان ملتزم حذفه يدل عليه سياق الكلام فحينئذ يقال ما ظرفية مصدرية . وليست الظرفية مدلولها بالأصالة ولا هي نائبة عن الظرف ولكنها مستفادة من موقع ( ما ) في سياق كلام يؤذن بالزمان ويكثر ذلك في دخول ( ما ) على الفعل المتصرف من مادة دام ومرادفها .
و ( ما ) في هذه الآية كذلك فالمعنى : لا يؤده إليك إلا في مدة دوام قيامك عليه أي إلحاحك عليه . والدوام حقيقته استمرار الفعل وهو هنا مجاز في طول المدة لتعذر المعنى الحقيقي مع وجود أداة الاستثناء لأنه إذا انتهى العمر لم يحصل الإلحاح بعد الموت .
والاستثناء من قوله ( إلا ما دمت عليه قائما ) يجوز أن يكون استثناءا مفرغا من أوقات يدل عليها موقع ( ما ) والتقدير لا يؤده إليك في جميع الأزمان إلا زمانا تدوم عليه فيه قائما فيكون ما بعد ( إلا ) نصبا على الظرف ويجوز أن يكون مفرغا من مصادر يدل عليها معنى ( ما ) المصدرية فيكون ما بعده منصوبا على الحال لأن المصدر يقع حالا .
وقدم المجرور على متعلقه في قوله ( ذلك بأنهم قالوا ) إلى الحكم المذكور وهو ( إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ) وإنما أشير إليه لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الشأن العجيب .
والباء للسبب أي ذلك مسبب عن أقوال اختلقوها وعبر عن ذلك بالقول لأن القول يصدر عن الاعتقاد فلذا ناب منابه فأطلق على الظن في مواضع من كلام العرب .
وأرادوا بالأميين من ليسوا من أهل الكتاب في القديم وقد تقدم بيان معنى الأمي في سورة البقرة .
A E
