والحجور جمع حجر " بفتح الحاء وكسرها مع سكون الجيم " وهو ما يحويه مجتمع الرجلين للجالس المتربع . والمراد به هنا معنى مجازي وهو الحضانة والكفالة لأن أول كفالة الطفل تكون بوضعه في الحجر كما سميت حضانة لأن أولها وضع الطفل في الحضن .
وظاهر الآية أن الربيبة لا تحرم على زوج أمها إلا إذا كانت في كفالته لأن قوله ( اللاتي في جحوركم ) وصف والأصل فيه إرادة التقييد كما أريد من قوله ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) فظاهر هذا أنها لو كانت بعيدة عن حضانته لم تحرم ونسب الأخذ بهذا الظاهر إلى علي بن أبي طالب رواه ابن عطية وأنكر ابن المنذر والصحاوي صحة سند النقل عن علي وقال ابن العربي : إنه نقل باطل . وجزم ابن حزم في المحلى بصحة نسبة ذلك إلى علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب . وقال بذلك الظاهرية وكأنهم نظروا إلى أن علة تحريمها مركبة من كونها ربيبة وما حدث من الوقار بينها وبين حاجزها إذا كانت في حجره . وأما جمهور أهل العلم فجعلوا هذا الوصف بيانا للواقع خارجا مخرج الغالب وجعلوا الربيبة حراما على زوج أمها ولو لم تكن هي في حجره . وكأن الذي دعاهم إلى ذلك هو النظر إلى علة تحريم المحرمات بالصهر وهي التي أشار إليها كلام الفخر المتقدم . وعندي أن الأظهر أن يكون الوصف هنا خرج مخرج التعليل : أي لأنهن في جحوركم وهو تعليل بالمظنة فلا يقتضي اطراد العلة في جميع مواقع الحكم .
وقوله ( من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) ذكر قوله ( من نسائكم ) ليبنى عليه ( اللاتي دخلتم بهن ) وهو قيد في تحريم الربائب بحيث لا تحرم الربيبة إلا إذا وقع البناء بأمها ولا يحرمها مجرد العقد على أمها وهذا القيد جرى هنا ولم يجر على قوله ( وأمهات نسائكم ) بل أطلق الحكم هاك فقال الجمهور هناك : أمهات نسائكم معناه أمهات أزواجكم فأم الزوجة تحرم بمجرد عقد الرجل على ابنتها لأن العقد يصيرها امرأته ولا يلزم الدخول ولم يحملوا المطلق منه على المقيد بعده ولا جعلوا الصفة راجعة للمتعاطفات لأنها جرت على موصوف متعين تعلقه بأحد المتعاطفات وهو قوله ( من نسائكم ) المتعلق بقوله ( وربائبكم ) ولا يصلح تعلقه ب ( أمهات نسائكم ) .
وقال علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عمر وعبد الله بن عباس ومجاهد وجابر وابن الزبير : لا تحرم أم المرأة على زوج ابنتها حتى يدخل بابنتها حملا للمطلق على المقيد وهو الأصح محملا ولم يستطع الجمهور أن يوجهوا مذهبهم بعلة بينة ولا أن يستظهروا عليه بأثر . وعلة تحريم المرأة على زوج ابنتها تساوي علة تحريم ربيبة الرجل عليه ويظهر أن الله ذكر أمهات النساء قبل أن يذكر الربائب فلو أراد اشتراط الدخول بالأمهات في تحريمهن على أزواج بناتهن لذكره في أول الكلام قبل أن يذكره مع الربائب .
وهنالك رواية عن زيد بن ثابت أنه قال : إذا طلق الأم قبل البناء فله التزوج بابنتها وإذا ماتت حرمت عليه ابنتها وكأنه نظر إلى أن الطلاق عدول عن العقد والموت أمر قاهر فكأنه كان ناويا الدخول بها ولا حظ لهذا القول .
A E وقوله ( وحلائل أبنائكم ) الحلائل جمع الحليلة فعلية بمعنى فاعلة وهي الزوجة لأنها تحل معه وقال الزجاج : هي فعلية بمعنى مفعولة أي محللة إذ أباحها أهلها له فيكون من مجيء فعيل للمفعول من الرباعي في قولهم حكيم والعدول عن أن يقال : وما نكح أبناؤكم " أو " ونساء أبنائكم إلى قوله ( وحلائل أبنائكم ) تفنن لتجنب تكرير أحد اللفظيين السابقين وإلا فلا فرق في الإطلاق بين الألفاظ الثلاثة .
وقد سمي الزوج أيضا بالخليل وهو يحتمل الوجهين كذلك وتحريم حليلة الابن واضح العلة كتحريم حليلة الأب .
وقوله ( الذين من أصلابكم ) تأكيد لمعنى الأبناء لدفع احتمال المجاز إذ كانت العرب تسمي المتبنى ابنا وتجعل له ما للابن حتى أبطل الإسلام ذلك وقال تعالى ( أدعوهم لآبائهم ) فما دعي أحد لمتبنيه بعد إلا المقداد بن الأسود وعدت خصوصية . وأكد الله ذلك بالتشريع الفعلي بالإذن لرسوله A بتزوج زينب ابنة جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة الذي كان تبناه وكان يدعى زيد بن محمد . وابن الابن وابن البنت وإن سفلا أبناء من الأصلاب لأن للجد عليهم ولادة لا محالة
